Sep 13, 2015

الصعاليك ..الصعود من القاع للمستنقع !


الصعاليك.. الصعود من القاع للمستنقع !

 أشرف نصر

فيلم: الصعاليك
 تأليف وإخراج: داود عبد السيد
 بطولة: نور الشريف – محمود عبد العزيز- يسرا  

بعنوان مكتوب على الشاشة يضع الكاتب والمخرج داود عبد السيد المحددات المكانية والزمانية لفيلمه الروائي الأول "الصعاليك"
،الإسكندرية 1962 ،ومع صوت عبد الحليم حافظ فى الراديو يغني واحدة من "الأغاني الوطنية " يجلس مرسي وصلاح يأكلان،،
ويقدمهما بخفة ظل كجائعين لا يملكان المال،ولكنهما "يتسابقان" على من منهما صاحب الدعوة،رغم أن النهاية طبيعية الضرب أو الهرب،
الإسكندرية مدينة أثيرة عند داود عبد السيد (وهي كذلك كمكان عند معظم الكتاب والفنانين – وزمنيا فى فترة كونها كوزموبوليتان/عالمية رحبة للبشر على اختلافهم، قبل هجرة الأجانب واختفاء الثقافات المتعددة لصالح الصوت الواحد) ،
وللمدينة والحنين للمرحلة عودة فى مسيرة المخرج فى فيلم"رسائل البحر"،
 وأما الزمن نحن فى عالم الستينات ومطرب المرحلة الناصرية يغني للفلاح والعامل فى أغنيته، وأبطال الفيلم من العمال، لن نجدهما بالصبغة "الرسمية/المعتمدة" يكدحان لبناء أمجاد الوطن،لكنهما من الصعاليك/المتشردين (وهنا استخدم الوصف للتحقير كما يستخدم عادة، دون إضفاء أي ظلال للمفردة ونعني تاريخيا ظهور بعض الشعراء منهم بل والمشاركة فى الثورات ضد الحكام،وهو على أي حال امر تاريخي فى تاريخ العرب،واكتفى بإضفاء سمة بارزة تضفي نبلا على شخصيتيه مرسي وصلاح وهو صداقتها الأبدية) ويحاولان العثور على المال والخروج من قاع المجتمع بأي طريقة،
 يهربان السجائر من الميناء، يعملان فى مختلف المهن الصغيرة كبيع المياة الغازية أو "منادي سيارات"،
 وتظل مشاجرة عابرة مع "أفندي" من طبقة أعلى عالقة بأذهانهما طوال الوقت حين أخبرهما بموقعهما فى البلد والحياة مجرد صعاليك،
 بإحترافية وسلاسة يقدم النقلات الزمنية ويتخطى الأزمنة الدرامية الضعيفة فحين يقدم شخصية صفية ويقدم حب مرسي لها ينقل لمشهدها وهي حامل تخدم زوجها وصديقه صلاح
، ثم يكمل رحلة مرسي كقائد سيارة أجرة الآن بعد أن كان تابعا"تباع" وكيف يرتكب حادثا تحت تأثير الحشيش فيدخل السجن
سنجد فى الإيقاع فصلا-طال- وصار رتيبا فى محاولات صلاح أن يتحمل هو المسئولية عن صاحبه،
 وبينما يدخل مرسي السجن ويدرك أزمتهما فيصبح الإرتقاء من التشرد والسرقات الصغيرة لأخذ مكانة محترمة من المجتمع والحياة هي هم مرسي وصلاح، ومرسي خاصة بحكم أن رسم شخصيته على أنه العقل المفكر للصديقين بينما صلاح هو القوة أو "العضلات" ،
وخلال فترة السجن نجد واحدا من أروع الفصول فى الفيلم –وأظنه- فى السينما بشكل عام،
حين يمد الخطوط الدرامية لشخصياته فتقع كثمرة ناضجة فى تصرفاتها، وبلغة الحوار البديع فى أهم المشاهد (زي العجين لما بيختمر) أقصد عندما تجد صفية نفسها فى أحضان صلاح،
فهي تغسل ثيابه وتشم عرقه فيها، ينفق عليها، تراه ليلا ونهارا وصار ك"رجل البيت" بالنسبة لها وزوجها فى السجن، حتى أنه تقسم له أنها كانت تحس أنها فى أحضان مرسي وليس هو، وأن ما حدث "مقدر ومكتوب"
ويمكن الإشارة إلى لأداء وحوار صفية (يسرا) فى مشهد الخيانة ،والذي –فى رأيي- لم تقدم مثله فى رحلتها الطويلة، ليس تقليلا من أدوارها ورحلتها وإنما للإشادة بالمشهد،
المتفرد هنا هو أن ليلة الجنس بين صلاح وصفية تذوب فى الحياة اليومية للشخصيات، وتبدو كواحدة من الخطايا البشرية التي يحاول فاعلها طوال الوقت أن ينساها كأنها لم تكن،
ربما لو تغير الكاتب/المخرج كنا سنكون أمام "مناحة" الخيانة والإنتقام والندم والثواب والعقاب،
 لكننا نتابع كيف يرتقي اللصان، فيهربان المخدرات مرة واحدة (وهنا يقدم أغنية بالأحضان يا بلدنا، تبدو – لي- الأغنية هنا بها مباشرة لاحداث الأثر الكوميدي، وليست فنية فى توظيفها كالأغنية الأولى)
وينطلقان لعالم الثراء ويزيد المال وتعيش صفية حياة الثراء لكن الثلاثة من "محدثي النعمة" لذلك سيحتاج صلاح للإرتقاء الطبقي العاطفي حيث تظهر منى الجامعية المثقفة التي تحبه لكنها لا تهتم بماله وتريد إكمال دراستها بالخارج،
فى رحلة مرسي وصلاح يتوهم صلاح أنهما وصلا للقمة بينما مرسي "الأكثر وعيا" بحقائق الحياة يدرك أنهما فى دائرة مغلقة، ووصلا فقط لقمة جبل الجليد، فحين كبرا كرجلي أعمال انتبه لهما "اللصوص الكبار"، يظهر الدواخلي، رجل السلطة والمال الذي يبتلعهما فى شراكة تحولهما للعبة فى يده،
وعودة لفكرة تحديد الزمن، هنا يقدم الدواخلي بيه ملامح الزمن الجديد (السبعينات) حيث يجب إنهيار القطاع العام وتدميره من أجل رجال المال والمفسدون الجدد، والشراكة تصل بهما للنهاية المنطقية حين يدمرهما الدواخلي عند فض الشراكة،
فى معظم الوقت يسعى المخرج لتقديم صورة بانورامية لحكاية مرسي وصلاح وفى مشاهد البحر والشارع يحرص على ختام المشاهد بالإبتعاد بحركة هادئة لتصبح اللقطة واسعة وفيها صلاح ومرسي كنقاط صغيرة/صعاليك،ضئيلا الشأن فى المدينة،
ولا يحاول "التدخل" لدى المشاهد "بإلحاح" إلا مرات قليلة، مثل تدخله فى مشهد سقوط الفاكهة من يد مرسي ونرى تدحرجها والكاميرا تتابعها، فى إحالة للثمرة المحرمة،
وفى رأيي أنها من مفردات الكاتب/المخرج وخارج سياق الفيلم، ويمكن ملاحظة توظيفها فى مكانها فى عالم فيلمه "أرض الخوف" حيث يحتمل الأخير تعدد مستويات القراءة والتفسيرات، لكن فى"الصعاليك"بدت مقحمة،
 وإجمالا يظل الصعاليك، رؤية فنان يجيد تحليل مجتمعه وتغيراته عبر شخصيات مرسومة بعناية فى رحلة صعودهما "المفترضة" والتي وظفت المكان والزمن بدقة، ويمكن الإشارة لعالم فيلم"مواطن ومخبر وحرامي" كإمتداد وتطوير لقراءة المجتمع وتغيراته،
ويظل تقديما مؤثرا لمخرج متمكن من أدواته فى عناصر الفيلم،
كما يجدر أخيرا الإشارة للفلاش باك الوحيد فى الفيلم، وهو مشهد النهاية، ليس فقط لتذكر مرسي لمشاجرتهما وأول مرة سمعا لفظة الصعاليك
 بل وأيضا إنطلاقهما كشابين سعيدين يلهوان
ولم يدر بخلدهما أنهما فى قبضة حياة تلهو بهما!
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد  44 أغسطس 2015

Aug 30, 2015

دعوة "للتورط" فى ... ديموديه !



ديموديه ..
أولنا الموت وأخرنا الموت وبينهما الغناء !

يضع الكاتب أحمد نبيل يده على عالم الغناء/عالم الكاسيت/الزمن القديم
بدايات الأشياء وطفولة البشر وتحولات الحياة ومصائرهم
فى كل قصة بهجة
لكن بين السطور وجع وألم
البدء بعيد الميلاد لكنه "عام الحزن" حيث (تفرغ ملك الموت لاصطياد أهل الإبداع) تاركا بطل القصة فى مفارقة مؤلمة،
 وفى منتصف المجموعة نعيش مع أصدقاء الطفولة والشباب وتحولاتهم الغريبة ومصائرهم المفجعة أحيانا، المضحكة أحيانا، المثيرة للأسى دائما،
 فى المنتصف قصة "الغناء تحت المطر" وبطلها الصاخب فى حياته الموجع فى رحيله،
ويعبر بعدها الكاتب ببقية شخوص عالمه فى عالم من الواقعية السحرية
خاصة فى قصة "منقلبة" الذي يتحول بطلها "حنفي الفيل" لعصفور وفيل وكل ما يفوق الخيال،
تشعر أنه –الكاتب-يعربد فى منتصف القصص بكل متع الحياة لكن الموت حاضر وجاثم دائما بين السطور،
حتى تصل لأكثر القصص وجعا وألما وشجنا، القصة التي لا تكتب كل يوم، ولا كل عشر سنوات حتى!،
 أعني قصة"يا ليل" هنا ليل وصبح شقيقان، مات احدهما وحمل الآخر الشعور بالذنب، اغترف ليل من متع الدنيا ونال صبح بعض من خيراتها على يديه وتحت جناحه، لكن الموت/القدر يتربص بالجميع، فيحول صبح لقابيل الذي قتل هابيل،
ولكن هنا لسنا أمام القصة الدينية بل نحن مع القصة المكتوبة فهابيل (ليل) ربما يكون القاتل وليس العكس، أو على الأقل يسعى لحتفه،
وربما لا قاتل ولا مقتول وإنما ليل وصبح فى دائرة جهنمية تجعلنا جميعا (نقتل) بفتح النون وضمها!
**
مجموعة ديموديه تحتاج لقراءة واحدة،
فتجد نفسك "متورطا" فى قراءتها مرات ومرات، فالحكايات على عذوبتها لا تمنحك كل متعها من مرتها الأولى بل تثير شهيتك للبحث بين سطورها ومعادوة قراءتها، "عن نفسي" صرت مصابا ب"عقدة" قراءة "يا ليل" حتى نسيت عدد مرات قراءتها!
*
 ديموديه قصص: أحمد نبيل
 دار:شرقيات2015
لوحات وتصميم الغلاف:هيثم شريف

Aug 12, 2015

الشرف .. السهل غير الممتنع !


الشرف.. السهل غير الممتنع !
 أشرف نصر

فيلم: الشرف
إخراج: محمد شعبان
سيناريو: مصطفى محرم عن رواية " بيوت وراء الأشجار " : محمد البساطي
 بطولة: فاروق الفيشاوي – جيهان فاضل – مصطفى شعبان

 " سامية ترحل مع شقيقها وزوجته عن بورسعيد بعد عدوان 1967 ضمن "المهجرين" الذين تفرقوا فى محافظات مصر بعد العدوان الإسرائيلي على مصر، وفى البلدة التي استقرت فيها سامية وأسرتها يراها الجزار مسعد فيعجب بها ويتزوجها ويعاملها كجارية ليس عليها سوى خدمته فى البيت وخاصة فى السرير، وتتعرف سامية على الشاب عامر الشاب الجامعي ابن صديق زوجها، ويعامله المعلم مسعد كإبن له ، ويضبط مسعد زوجته سامية مع عامر فيحبسها ويطارده حتى يجتمعون جميعا فى الغرفة ويحترق البيت بمسعد وسامية وعامر"

فى الفيلم سيظهر زمن الأحداث عبر توزيع صور جمال عبد الناصر فى البيوت، وأغاني قديمة فى الراديو وحوارات عابرة عن الحرب ، ويتم اختيار اسم الشرف بدلا من بيوت وراء الأشجار، التي يبحث الروائي كشفها للقارئ لنعرف أنها تحمل عكس ما يظهر لنا، اما عنوان "الشرف" حيث سيركز الفيلم على المباشرة فى طرح فكرة الشرف ، هل هو من حق الزوج الجاهل الهجمي السلوك أم أن سامية الحالمة الرومانسية هي الشريفة حقا وكانت ضحية الجميع،
فى واحد من مشاهد الرواية ( المهمة) تفقد بطلتها عذريتها بشكل يحمل كل البؤس والألم النفسي حيث نقرأ وصفا دقيقا لها وهي نائمة فى فصل المدرسة التي استقروا فيها، وتمتد يد من تحت الملاءة الفاصلة بين أسرتها وأسرة أخرى بها شقيقين من العجائز ، تمتد يد أحدهما وتبدأ فى التحرش بها حتى تفقد عذريتها وتنزل دموعها قهرا وكبتا وألما وبؤسا لا آخر له فهي حتى لا تعرف أيهما الفاعل، فى الفيلم ستجد الأسرة التي تشاركهم الفصل أسرة من البدناء فى محاولة للاضحاك من شكلهم وطريقة أكلهم، ثم تجد فى المشهد المشار إليه لفقد العذرية يد تمتد لجسدها فتنهض بسرعة مبتعدة وتخرج من المكان لتبكي، بدا المشهد فى الفيلم عابرا كمضايقة عادية وليس حدثا فارقا يستحق التوقف عنده و "بروزته"
ولو توقفنا عند سامية البطلة التي من المفترض معايشة أزمتها بدقة نجد التركيز على جمال ملامح الممثلة ومشاهد كثيرة لها فى الظل والنور وهي تحرك شعرها وتخفض نظرتها خجلا، دون أن نشعر بصدق أزمتها ،
والأكثر ضعفا بين الشخصيات هو عامر الذي نراه باهتا لا يأتي بتصرف درامي واحدا نفهم من خلاله شخصيته ولا يتحدث سوى بجمل غريبة كأنها من كتاب (وصفة الاكليشهات الجاهزة، صفحة الشباب) جملا مثل: لا يا عم مسعد المظاهرات مش حاجة وحشة – كل كلام الحب كنت باسخر منه لحد ما قابلتك يا سامية – انت وحيدة زيي يا سامية تعالي نهرب منه.
وفكرة الحوارات المعلبة مهيمنة على حوارات كل الشخصيات وليس عامر وحده ويمكن ملاحظة حوارات الفلاش باك بين سامية والمجند مجدي حبيبها الأول والذي غاب فى النكسة ،أو حوار شقيقة مسعد الطامعة فى مال سامية لان شقيقها مسعد سرق حقها فى الميراث، أو جملة سامية فى النهاية: انا باكرهكم كلكم ! أما المرة الأغرب فى الفيلم والتي خرجت من الحوارات المعلبة جاءت بمفردة من المنطقي أنها لم تكن متداولة فى زمن الفيلم اصلا، يقول شاب: هي المُزة معاك؟ فهل كانت توصف المراة (مُزة) فى 1967 !
 الاجتهاد الوحيد –فى رأيي- فى تفصيلتين الأولى أن أول لمسة يد بين سامية وعامر خلف ظهر مسعد، كتعبير حركي بالمصادفة عن  بداية علاقة، وكان مسعد مسطولا وعامر وسامية يحاولان مساعدته وتوصيله للفراش،
وكون الأحداث والزواج والجزء الحزين فى حياة سامية أثناء الصيف وعندما بدأ فصل الشتاء تحدث أول قبلة من عامر لسامية،
 بخلاف ذلك عاد الفيلم لفكرة تفصيل السيناريو لممثل ولن تكون سامية ! بل سيكون مسعد بسبب اسم الممثل
فنعيش أغلب الفيلم ونرى يضحك ويضاجع ويضرب يمنيا ويسارا فى محاولة لايصال النهم والسلوك الهمجي المفترض فى الشخصية،
 وظل فى منطقة "كان" كأن فاروق الفيشاوي مسعد، وكأن جيهان فاضل سامية، وكأن مصطفى محرم كتب سيناريو هاما، وكأن محمد شعبان قدم فيلم مؤثرا،
وكأن الشرف فيلما،
وكأني قدمت نقدا له !
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 43 يوليو 2015

Jul 6, 2015

مع الذكريات..خلود شخصية بعد اندثار فيلم !


 مع الذكريات ..
 خلود شخصية بعد اندثار فيلم ! 
أشرف نصر 

فيلم
: مع الذكريات
 تأليف وإخراج: سعد عرفه
 بطولة: أحمد مظهر- مريم فخر الدين-نادية لطفي- صلاح منصور إنتاج: 1961 
"شريف ممثل شهير يعاني من حالة نفسية بعد إطلاقه الرصاص على حبيبته وخطيبته إلهام اثناء تصوير مشهد، بعد أن قام مساعده  مدبولي"الأحدب المجنون " بوضع رصاص حقيقي بدلا  من الرصاص "الفشنك" فى مسدس التصوير"
 للوهلة الأولى تبدو فكرة الفيلم جاذبة للاهتمام ومع تطور الأحداث سنرى كيف تظهر المفاجأة الدرامية والحقائق مختلفة عما يظهر لنا، فالدوافع لدى الشخصية (شخصية مدبولي –التي نظلمها لو وقفنا عند وصفها بالأحدب المجنون) تضعنا فى عالما دراميا مثيرا باعثا للأسئلة وتكرار المشاهدة،
 لكن، المفارقة أن شخصية مدبولى تحلق فى سماوات بعيدة، بعيدا عن بقية الشخصيات بل وبعيدا عن الفيلم ككل بأفقه المحدود، فى عناصره من سيناريو وإخراج وتمثيل ،
فالمكان كما "يقول الكتاب" بين الاستديو وبحيرة قارون والمشاهد رومانسية "حسب المفهوم التقليدي للرومانسية" والحوار مباشر، الشخصية تقول ما بداخلها للمشاهد كأنها كتاب مفتوح تفهم نفسها تماما و"تسقيه" للمشاهد الذي يتابع الأفكار المعتاد عليها فى قصص الغرام، مع مشاهد المطر وارتطام الشباك فتسقط صورة الحبيبة، والنزهة فى مركب، وغيرها من وصفات جاهزة،
ولو نظرنا للبطل "شريف"ربما تفقد الإيهام وتتحول للنقيض من الأثر المطلوب فى التعاطف مع ازمة البطل إلى السخرية من كلامه وتصرفاته، وفى ساعة أو أكثر من الفيلم تجد الإيقاع هادئ لدرجة الملل..دقائق طويلة شريف يقف أمام البحيرة "بحيرة قارون" ينظر للموج، أو يقف فى البيت ينظر لصور حبيبته ، فى محاولة للتعبير عن أزمته، ونرى باسهاب المرض واحضار الطبيب والهذيان باسم "إلهام" ثم نعود بالزمن لنرى قصة حب رومانسية بينهما،
حب "تقليدي" من اكليشهات التصرفات والحوار والمشاهد وخلال استعدادات الزواج يلح الكاتب/ المخرج سعد عرفة على المشاهد بفكرة (انظر لبراءة إالهام واخلاقيتها) و-كانه يتعامل مع مشاهد غبي- يصر على المعلومة مرات عدة من أجل التمهيد للمفاجاة التي ستقلب الرؤية والحكم عند المشاهد
، بأن إلهام كانت خائنة ومدبولي فعل ذلك من "فرط محبته" لصديقه، وفى تصرفات شريف ينقلب الأمر من شخص طيب لشخص "عبيط" ونحن نراه يفعل ما يفعل ،حتى انه يرى فى البداية مدبولي يحاول اغتصاب حبيبته فلا يريد طرده من العمل "كي لا يقطع عيشه"!
 فهل من عاشق ملتاع من أجل قبلة ويكابد من أجل اللقاء الجسدي بحبيته ويعاني من اصرارها "الأخلاقي" ألا يحدث إلا بعد الزواج، هل هذا تصرفه عند دخوله ورؤيته لمحاولة اغتصابها ممن بعطف عليه، سيبقى حريصا على تلك الطيبة، ربما!
وبالطبع لن نجد أفضل من أحمد مظهر بذلك الجمود و"التخشب" فى الأداء(فى الكثير من أدوراه) من أداء شخصية مرسومة دراميا بتلك  الوصفة الجاهزة سنجد بقية الشخصيات والأحداث ومنها شخصية آمال، التي تحب شريف الذي رباها لقرابتهما البعيدة و"تتفاني فى حبه على طريقة: والحب من غير أمل أسمى معاني الغرام" الطريقة التي ربت أجيالا على استعذاب الماسوشية والمهانة فى علاقات الحب، عبر تلك النوعية من الأغاني والأفلام،
 ولكن الفيلم الذي –اظنه- "اندثر" فى ذاكرة المشاهد أو على الأقل يحتاج جهد للتذكر،
صنع لنا أيقونة خالدة هي شخصية مدبولي التي قدم بها صلاح منصور واحدا من العلامات فى فن الأداء
، المكياج بالحواجب الثقيلة، والشارب، و"كتلة" حدبة الظهر وبذلة وحيدة طوال الفيلم، أشياء مهمة طبعا، كرسم خارجي للشخصية، لكن الأهم هو المحتوى، فكما الشكل علامة بصرية، يقدم لنا صلاح منصور علامة نفسية، فى شخصية ثرية كشخصية مدبولي (والتي لو رسم السيناريو بقية الشخصيات كما رسمها لكنا أمام فيلم أروع كثيرا،والغريب مهارة حوارها عكس باقي الشخصيات) كأننا أمام صورة نبيلة من فكرة" الدبة التي قتلت صاحبها" فمدبولي سيقتل ، أو بالأدق يدفع صاحبه للتخلص ممن لا تستحقه، لاحظ جمله البسيطة الرائعة فى الحوار عند اكتشاف الخيانة،
 ونعني جملا مثل: بس الأستاذ شريف هيزعل، وعند حديثه عن الخائن أو عشيق إلهام: أنا اطلع له بطوبة وهو هيخاف،
 تفكير مدبولي كتفكير الأطفال بسيط وواضح ويصل للتعبير عن أفكاره عبر مخزونه الضئيل من الكلمات والتصرفات لكنها دائمة صادقة
، صلاح منصور هنا يحني ظهره نعم، لكن يرفع قامته كممثل أمام أقرانه فى العالم، كل مشهد هو درس فى الأداء،
فمثلا فى مشهد الاغتصاب المفترض نرى أنه يقبل إلهام ويحتضنها بأداء عشوائي مناسب لاعاقة يده وصعوبات الحركة مع الحدبة التي تثقل الظهر،
وحين يحكي حقيقة الأمر لشريف وكيف دبرت إلهام ذلك نرى كيف كانت إلهام تتشبث به وتدعي عليه لطرده واخفاء جريمتها، سنراه يؤديه بطريقة مختلفة تظهر عجزه عن المقاومة (مقاومة الأصحاء بدنيا) ،
 أو فى مشهد القتل وكيف تغيرت انفعالاته من الضحك عند مقتل إلهام للبكاء وهو يرى حزن شريف عليها، وبعد شخصية/دور/أداء كهذا، يقدم صلاح منصور"مسك الختام" حين ينتهي من اثبات براءته عند صديقه ويكشف الحقيقة، يموت فاتحا عينيه وفمه فى جلسته على الكرسي، مع جمود الوجه فى أداء
مبهر، لصعود روح مدبولي للسماء لتشكو لها ما جرى لها مع البشر القساة وأفعالهم الحقيرة !
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 42 يونيو 2015

Jun 25, 2015

سمع هس ..عذوبة أغنية الصعاليك فى مواجهة لزوجة النشيد الوطني


سمع هس.. 
                عذوبة أغنية الصعاليك فى مواجهة لزوجة النشيد الوطني !
   
 أشرف نصر  

  "الحياة تراجيديا لو نظرنا لها عبر لقطة مقربة .. ولكنها كوميديا لو نظرنا لها عبر لقطة بعيدة" 
هكذا تحدث واحد من أهم صناع السينما فى تاريخها، شارلي شابلن، الذي كتب وأخرج وأنتج، وقام بالتمثيل فى علامات سينمائية -من المعروف مكانتها ومكانة صاحبها-في الفن السابع، والاستشهاد بشابلن ليس لظهور شخصيته الفريدة (الصعلوك) فى فيلم سمع هس،  وفى الفيلم سنعرف محوريتها، بل لأن فلسفة شابلن فى أفلامه التي تلخصها هذه االجملة، هي التي تمنحنا مفتاحا لفيلم (سمع هس)، ولعالم كاتبه المثير للدهشة والبهجة دائما، الكاتب ماهر عواد، حول النظر للحياة فى لقطة واسعة لرؤية كوميديتها بدلا من الهزيمة أمام مأساوية تفاصيلها،،
يشارك عواد "اللعبة" هذه المرة شريف عرفه مخرجا ، وممدوح عبد العليم وليلى علوي وأحمد بدير وأحمد عقل وسهير الباروني وحسن كامي فى التمثيل، ويبدو لافتا أن يكون الفيلم من إنتاج الثلاثي: عواد وعرفه وعبد العليم،
 البداية تضعنا فى قلب المشهد مباشرة، نحن فى شادر شعبي به المهرجين، والمطرب حمص وحلاوة، ورجل يسكر ويضايقهما فيقصان شاربه ويهربا، لينزل تتر الفيلم "سمع هوووس" ، كتب اسم الفيلم حسب نطقه، وهي المقولة التي تقال فى الفرح عند محاولة تنبيه الجمهور لما سيسمع الآن، ليتوقف عن الضجيج وينصت، وهنا استخدام تفصيلة كلمة تستخدم من قلب اجواء عالم الأفراح والغناء، وبالفعل سندخل مع الفيلم عالما جديدا مختلفا عن التيار الواقعي السائد، نحن سندخل مع الكاتب ماهر عواد، عالما من الشخصيات الهامشية المحبة للحياة والتي تواجه جنون الحياة بجنون أكبر، وسوف نرى هموم الواقع مغلفة بطرافة كوميدية، لا تقف عند الايفية اللفظي، بل كوميديا الموقف، وخفة الظل فى الحوار تنبع من لغة كل شخصية
 والفكرة ببساطتها "الماكرة -المكر الفني" ربما لا تتجاوز  سطورا قليلا حتى لو حكينا كل أحداث الفيلم "حمص وحلاوة مطرب وراقصة يغنيان فى الشوارع أغنيتهما الخاصة بهما، والبسيطة جدا، ويسرق اللحن موسيقي شهير،ويضع عليه كلمات لنشيد"وطني" رنان ، ويحاولان استرداد حقهما فيقف المجتمع كله ضدهما" والشخصيات هنا هي التي تتصادم بشكل كوميدي وتصنع المفارقة فى موقفها من الأزمة! 
فأزمة حمص وحلاوة أنها اغنيتهما، بينما المجتمع كله (بخلل معاييره) يراهما متشردين ليس من حقهما الشكوى ، بل عليهما الفخر بما فعله الموسيقي الكبير "غندور " من وضع كلمات وطنية بدلا من كلماتهما، وبمشرط الجراح لا يرحم الفيلم غندور ويكشف ماكينة الإعلام الكاذب، عبر رؤيتنا لاختطاف غندور لرجل متشرد عازف بيانولا (شارلي) ثم تهديده للحصول على لحن جديد (عندي مناسبة وطنية ومزنوق فى لحن) فيحصل على اللحن الذي سمعه شارلي من حمص وحلاوة،،والمؤلف (الذي سيفبرك أي كلام) جاهز ويدخن الشيشة و"يبدع" وهو يهز رأسه لربة الإلهام
، لن تقف السخرية ابدا فى الفيلم، فغندور يرقص فى الصحراء وعلى مركب فى النيل (فى "بارودي" أو محاكاة ساخرة لما نراه فيما يسمى بالأغنية الوطنية) ، وعند نزولها للأسواق طبعا تحقق النجاح والانتشار ، فالحساسية الوطنية حاضرة، والشوفينية ملتهبة عند الجميع، حتى أننا نرى السكير الذي يضايق حمص وحلاوة، وطامعا بالطبع ككل السكارى فى جسد حلاوة، يتوتر جدا من سماع (النشيد واللحن الوطني العظيم) يغنى بطريقة حمص وحلاوة وفى كبارية! هكذا نجد مفارقات انهما صارا لصين لما هو فى الأصل ملكهما ، وهو لحن اغنيتهما البسيطة العذبة، واللص غندور بأغنيته الزاعقة اللزجة صار صاحب الحق، وسنرى أن حساسية السكير "الوطنية"ليست قصرا عليه، فالجميع يقف ضدهما من الأثرياء ، وحتى -للمفارقة-الفقراء كماسح الأحذية والصياد وغيرهما،،وحتى من يقف معهما يكون بلا حول ولا قوة مثل عازف البيانولا شارلي، وعفارم عازف الربابة، 
فى الفيلم يمزج بين  السياسة -فى فكرة اللحن الذي اصبح بالتضليل لحنا وطنيا ، يصبح المساس به خيانة للوطن! -بمصيبة اجتماعية وكبت جنسي جعل سلوك الرجال تجاه النساء ككلاب لا تريد سوى نهشها مثل صفصف بيه منتج الكاسيت ، "المثار دائما" ،وزبائن الكباريه وزبائن الافراح، وخط الشباب المنطلق كالقطيع فى الكورنيش لاصطياد اي ضحية ، وصولا لحق إنساني ضائع حول الفقراء الصعاليك وموقعهم فى الحياة، فحمص يريد حياة طبيعية وأن ينجب من حبيبته، دون أن يجدا فرصة لتلك الحياة الطبيعية..والمؤلم فى مفارقة أن لا أحد يريد لهما تلك الحياة فصاحبة البنسيون الذي ينزلان به تطردهما فى أقرب فرصة، والمحامي يبيعهما ويقبض الثمن لخيانته 
..أما الفارق والمبهر كيف مرر الفيلم سخريته من القضاء، (لاحظ محاولات التقديس المستمرة للقضاء المصري، كأن الحديث عنه كفر بالله والوطن) فهو يقدم وبنفس طرافة الفيلم القاضي (خيري بشارة) الأقرع الجالس ممسكا بمطرقة (كلعب الأطفال "بزمارة") وكيف يحضر المحامي بالبيجامة، وكيف يأبي القاضي سماع شهادة شارلي عازف البيانولا، بحجة أنه معتوه، وهنا نرى كيف ينزع تلك القداسة المزعومة ويظهر أنه مؤسسة ،كالإعلام وكالمجتمع ككل ، لا يضع حمص وحلاوة إلا أسفل حذاء غندور وأمثاله، وقد تحولت المحاكمة لمهزلة وضرب من حمص وحلاوة فى الجميع، 
ومن الذكاء الفني للمخرج تصوير المشهد فى ديكور، كأننا بالفعل فى مسرح وليست محكمة، وقدر مرر الفيلم ذلك عبر "استايله" الساخر ،بداية من السيناريو مرورا بالتمثيل وصولا للإخراج، فنلاحظ كيف أدي الممثلون ادوارهم بنفس روح اللعب والكوميديا وحتى فى توصيل معلومة وربط المشاهد سنجد مثلا عازف الربابة عفارم يغني(55 دكتور، غير التمرجية، وحمص فى الإنعاش، وحلاوة عملية) ،
 واخراجيا كيف تحرك المخرج شريف عرفة بحيوية مع أبطاله فى مشاهد سريعة مكثفة، دون مبالغات فى التكنيك، أو حتى رسم مينزانسين معقد للحركة، بل تعمد البساطة، وسرعة الإيقاع ، وتعمد البدء فى منتصف الحدث فى المشهد، والقطع السريع دون تشبع ، للنقل لغيره، حرصا على اللهث مع حمص وحلاوة ، وايقاعهما فى هذه الحياة، وتوجيه ممثليه فى الأداء بمرح مع استغلال موسيقى مودي الإمام كمشهد دخول حمص وحلاوة والبنسيون ، والمواجهة المرتقبة مع عفارم، المتأهب للص خطير ويجهز الربابة كسيف وب"كلوز آب "على اكره الباب، ثم يكتشف انه حمص صديقه الذي يقفز لاحضانه ، وكعادتها تزغرد حلاوة. (تخلي المخرج بعدها عن تلك البساطة لصالح تقليد الإخراج الهوليودي فى أفلام الأكشن)،
 وكما قدم سمع هس الخيارين، البعض يفضل احتمال صدق ومعاناة حياة حمص وحلاوة ، والبعض يختار نمط حياة غندور وراحة المؤسسة وبريقها،وكل يختار مساره، والأهم هنا هو الإشارة إلى اتساق ماهر عواد فى أفلامه منذ بدايتها حتى آخر ما ظهر له،
 وسنشعر بصلات القربى بين حمص وحلاوة وبقية أبطاله، ليس فقط فى هامشيتها وحبها للفن والحياة، بل سنلاحظ دائما أن الحاضر هو الأساس فلن نسمع سوى شذرات عابرة عن تاريخها، كأنها بلا تاريخ، وليس لها مستقبل واضح المعالم، بل يقذف بها لحاضر ضاغط وعليها النجاة ، تماما كما يحدث للفقراء وصعاليك الدنيا،(وكشارلي شابلن دائما فى دور الصعلوك)  عليهم النجاة والحياة الآن فورا، 
وهنا تصبح المقاومة واجبا وليس رفاهية ،مثلما ظل حمص وحلاوة يقاومان ولو بالغناء (سلاحهما الوحيد) فى مواجهة هذا الواقع الكريه. وحتى ينتهي الفيلم بصورتهما على بيانولا شارلي بدلا من غندور وهما يصرخان فى الجميع، بل وفى وجوهنا كمشاهدين : هتشوفوا. 
ليس بالضرورة التقيد بفكرة سنة 2000 كتاريخ كان من المفترض أن "يعدل فيه الميزان المقلوب" بل الأولى اعتبارها إشارة للأمل والمستقبل، والتعلق بالأمل دائما سمة الصعاليك للقدرة على الاستمرار ، كل جهامة الواقع وما تحدثنا عنه بشكل جاف، عالجه الفيلم فى مشاهد لن يتوقف فيها الضحك، لكن ضحك لا يلهي عن التفكير، ضحك سيجعل الدموع تتسلل للعيون، أو بالأحري صحكات من فرط الشجن ، كمشهد بديع يتم ضرب حمص فيه ، وتحطيم أسنانه ومحاولته الغناء فلا يقدر، وحلاوة التي تم اجهاضها من الضرب تحاول التسرية عنه ب"فشرها المعتاد"  ، ويختلط ضحكهما -المبتسر-بالدموع وهي تحتضن حمص، فليس لهما غير حضن بعضهما البعض ولو لفظهما العالم بأسره.    
***
نشر بمجلة أبيض وأسود 
العدد 41 مايو 2015

May 7, 2015

رصاص فوق برودواي


رصاص فوق برودواي ..
الفنانين كهدف لرصاصات وودي آلان المبهجة ! 
أشرف نصر  
***
 Bullets Over Broadway 
اخراج : وودي آلان
 تأليف: وودي آلان -دوجلاس ماكجرث
بطولة: جون كيوزاك-ديان ويست
 انتاج: امريكي 1995  
كرة الثلج : 
يبدأ وودي الآن فيلم: رصاص فوق برودواي، بحوار قصير، مشهد واحد، وقرار يبدو بسيطا، فيتغير على أثر القبول تغير عالم بطله ، ديفيد (يؤديه الممثل جون كوزاك) كاتب مسرحي شاب، اخيرا وافق المنتج تقديم مسرحية له، والنقاش والتفصيلة الصغيرة، هو أن الممول يريد دورا لصديقته فى المسرحية، نحن فى نيويورك العشرينات ومسارح برودواي تعنى الشهرة، وإنتاج مسرحية للفنان ديفيد سينقله من عالم التنظير فى المقاهي، وجلسات المثقفين الناقمين المفلسفين لكل شيء إلى قلب  "سوق الإنتاج"،بنعيمه وجحيمه، (الطريف حقا أن "الهموم الانسانية"متشابهه لدرجة مدهشة، الانتقال -مع الفارق طبعا- وكأننا سنحضر أحد مثقفي وسط البلد "العاطلين"وسيتم إنتاج عمل له سيعرض فى رمضان مثلا ) ،، جلسات وحياة ديفيد كانت واضحة وسهلة مع حبيبته ورفاق الجلسات، حيث اللغة المشتركة، والنظرة الأحادية للعالم،وإطلاق الجمل" الفخمة "المعقدة كأنها اكتشافات فريدة،ويختلط طبعا الفنان بالمدعي فى سحابات الدخان، ولأنها"فرصة العمر"  للفنان ديفيد، يقبل بالطبع، ويقدم التنازل الصغير، لكنها تحولت ل"درس العمر" فتنازل صغير يعني كل شيء! فالفتاة صديقة الممول فتاة سيئة جدا فى التمثيل، وكل مؤهلاتها عشيقها الممول، والذي هو -ببساطة وودي آلان فى حبكاته المدهشة-"نك" رجل عصابات كبير، وزعيم مافيا، حياته اليومية جرائم لا تتوقف، الكوميديا تتفجر مع كل تفصيلة جديدة، وفى قلب كل مشهد، منتقلا بين الشخصيات ودوافعها ليدفع الأحداث للتصاعد وبشكل سلس، معتمدا على تطور ، وكرة الثلج التي تتدحرج تكبر باستمرار، وتزيد المفارقات وتتعدد مستوياتها، فلك تخيل فرقة مسرحية من الممثلة الفاشلة ، ونجمة غربت عنها الأضواء هي هيلين(قامت بالدور ديان ويست)، ونجم نهم للطعام، وشابة تبدو كمهووسة بكلبها ونكاتها .التي لا تضحك غيرها، ويقودهم "بطلنا الكاتب المخرج" ديفيد، الذي يبدو كأنه دخل بالثياب الرسمية لحضور الأوبرا فوجد نفسه فى قلب السيرك. 
خبرة الكتب فى مواجهة خبرة الحياة: 
المراوغ الجميل وودي آلان يخدعنا خدعة جديدة، وكسحره الخدع يوجه أنظارنا لشخصياته فى الفرقة المسرحية، وحتى رغم خط زعيم المافيا، وعالم الجرائم، يبدو لنا الصورة الرئيسية جو المسرحية والفرقة بشخوصها، ثم يخرج الساحر من جيبه أو من أقصي جوانب الصورة شخصية فارقة يسربها فى الحكاية، "تشيتش" (يؤديه الممثل شاز بالمينتري) بودي جارد يعينه رجل العصابات "نك" للفتاة عشيقته، وكل دوره أن يحضر العرض، كي لا يضايقها أحد،،ولأنه "تشيتش" يحضر العرض المسرحي كل ليلة، يلقى بملاحظة صغيرة ومقترحا تعديلا لحوارها، لن تصدق الأثر الذي حدث، يبدأ البودي جارد فى الاقتراحات والتعديل، حتى يتحول تدريجيا "كاتب شبح" أي أنه سيعدل النص المسرحي تماما دون أن يعلم أحد، ولتظهر  لنا هشاشة خبرة ديفيد المكتسبة من الكتب، فى مواجهة خبرات حياتية لا نهاية لها عند البودي جارد تشيتش ، الذي يقتل يعلم من يكتب، بل ويدخل لعبة الفن، فيبدأ التعامل على أنها مسرحيته، وعلى سبيل المجاملة فقط يقول لديفيد:مسرحيتنا. وبنيما ديفيد يتحول لخاتما فى اصبع النجمة الشهيرة"هيلين" التى تتحول ل"وحش" والوصف مبالغة، للبحث عن وصف لها وهي تلتهم روح وعقل ديفيد وجسد ديفيد، ليس لسواد عيونه، وهي التي ارتمى تحت قدميها من لم تعد تتذكر حتى اسماءهم، ولكن لهدف واحد، مجدها وعودة الأضواء لها عبر زيادة دورها و"ابرازه" ، فيندمج ديفيد وينسى حبيبته، وكأنه أخيرا دخل التجربة الحياتية ، تاركا البودي جارد يندمج فى لعبة الفن! 
سخرية نعم، سوداوية لا: 
وودي آلان لم يرحم نفسه من سخريته بل على العكس، انغمس فى تشريحها، وتشريح الأسرة، مجتمعات اليهود وعاداتهم،كأنه حين فعلها تحرر من أي موانع تمنعه من السخرية من العالم أجمع، حين تقع الفريسة (كأهل الفن فى فيلمنا) ينطلق كنهر جارف، يسخر من الطباع، التصرفات، التحولات، النهايات والمصائر، فديفيد هنا ليس بريئا ملائكيا، بل ينغمس رويدا رويدا فى حب هيلين، ويدخن، ويترك فنه لتعديلات تشيتش، وحتى مثله الأعلى فى جلسات المثقفين، نكتشف أنه يقدم المبررات والتنظير "ليقيم علاقة جنسية" مع حبيبة ديفيد، وكأن الجميع يمثل، وينتظر الفرص للانغماس فى التجارب، كل تلك السخرية والمفارقات، لا يقدمها وودي آلان بحكم أخلاقي طبعا، ولا بمرارة تراجيدية حتى، بل بابتسامات وضحكات تتعالي تدريجيا ، والسؤال الذي يبدو بسيطا ومتوقعا، هو السؤال المحوري فى حياة ديفيد، حين يسأل حبيبته ، هل تحب الفنان فيه أم الإنسان؟ وكعادته ينهي فيلمنا كالكثير من أفلامه بنهاية ناعمة رومانسية سعيدة، منتصرا لقصة الحب ولو على حساب الفن. يؤمن بالحب ولكن ليس على طريقة الكلاشيهات العاطفية، بل بالحب الذي مر بالعواصف، واستقر بعد التأرجح فى صخب الشهرة، الجريمة، الخيانة وتجارب الآخرين. هذه البساطة والسلاسة ليست فى حكاية وسيناريو الفيلم/أفلام وودي آلان فقط، بل فى الإخراج السهل الممتنع، والتمثيل الكوميدي الذي لا يهدف لانتزاع الضحك الخالي من التفكير، بل الأداء البسيط الهادف لرسم البسمات الصغيرة والتفكير فى المفارقات الحياتية، أو فلنسميها :هذه الكوميديا التي نعيشها ويسمونها الحياة! كل ذلك يأتي بمعا ومترابطا لأنها طريقة تفكير بالأساس، ولن نجد غالبا مشاهد صعبة تكنيكيا أو عربات تتحطم وطائرات تسقط، الخ العاب هوليود، إنما هو يحب ملاصقة الكاميرا لشخوصه، وموضوعه هو الأساس، وارتباط المشاهد بأبطاله هو الهدف دائما، ويتعامل مع الامتاع كجزء رئيس فى الفن، فحتى وهو يتناول مثلا مشاهد القتل، وعالم المافيا، يطلق القاتل الرصاص، تسقط الضحية، لا نرى الدماء والجثث،
 ينقلنا فورا للقتلة ، الذين يفكرون فورا -وببساطة -:
 هيا لنأكل !  
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 40 أبريل 2015

Apr 22, 2015

The Imitation Game


The Imitataion Game..
 ..العالم الذي عذبته البشرية وانقذها
أشرف نصر

  فيلم: لعبة المحاكاة
 أنتاج : بريطاني-أمريكي 2014 اخراج: مورتين تيلدوم سيناريو: جراهام مور -عن كتاب: اندرو هودجز بطولة: بيندكيت كوبرياتش-كيرا نايتلي

 فاز الكاتب جراهام مور بفيلمه لعبة المحاكاة بجائزة أوسكار 2015 كأحسن سيناريو مقتبس، بعد فوز الفيلم بعدة جوائز فى مهرجانات سبقت الاوسكار، الفيلم المأخوذ عن كتاب اندرو هودجز يقدم حياة عالم الرياضيات آلان تورينج والذي كرمت اسمه ملكة انجلترا بعد مرور نصف قرن على رحيله، صورة وردية للنجاح والأضواء، لكن الفيلم يقدم لنا خشونة وآلام الواقع، آلان تورينج باختصار هو عالم نجح وفريقه الصغير فى فك شفرة آلة اعتمد عليها النظام النازي فى رسائله وكبدت صعوية فك شفرتها الحلفاء ملايين من الضحايا، نجح تورينج فى صنع آلة مضادة فكت شفرة آلة انيجما، وفاز الحلفاء فى معركة الشفرات ثم الحرب،، فالحرب ليست فقط القنابل والقتال وجها لوجه، فالصراع بين العقول كان له دوره، بل وحتى بعد الحرب كانت آلته ملهمة وبذرة اختراع الكمبيوتر فلك أن تتخيل دوره فى حياتنا المعاصرة،، لكن كيف فعلها، الطريق وحياة تورينج لم يكونا مفروشين بالورود بل عاني تورينج من البيروقراطية ومحدودي الأفق وعديمو الخيال فى تجربته، وهو ما تغلب عليه، لكن هزمه المجتمع بسبب مثليته الجنسية، فبعد اختراع آلته والفوز بالحرب يحاكم بتهمة المثلية الجنسية ويتم حقنه بهرمونات الذكورة ، فينتحر تورينج تاركا العالم "للطبيعين"  ليحصدوا ما زرعه.
فيلم بعد فيلمين:
اذكر بعد فوز "جبل بروكباك" كيف تحولت الميديا لمظاهرة للدفاع عن حقوق المثليين جنسيا، وأمريكا ل"شو ضخم"، خاصة والفيلم يطعن كبرياء الذكورة الأمريكية فى مقتل، بتقديم رعاة بقر من المثليين،والفيلم محتشد بالمشاهد الجنسية بينهم بشكل صادم مجتمعيا،، ومن نافلة القول أنه لولا الانترنت لما شاهده احد فى المنطقة العربية، المهم أن الاستدعاء هنا له علاقة بموضوع فيلم لعبة المحاكاة،  والمقارنة ستصب فى صالح لعبة المحاكاة، المشغول اكثر بأزمة البطل ومعاناته بعيدا عن إثارة ما لمشاهديه او حتى استفزازهم، وعن الشو الاعلامي لمناصرة هؤلاء ، بل هو دعوة للتفكير بعيدا عن الأحكام الأخلاقية،،لكن فنيا  كسيناريو واخراج وتمثيل ،لن تكون  كذلك أمام فيلم "العقل الجميل" حول حياة عالم الرياضيات جون ناش،والمسافة بين الهذيان والحقيقة خاصة فى العلاقة بالمخابرات الأمريكية،،
وفى لعبة المحاكاة نحن أمام علاقة بجهاز المخابرات البريطاني الذي يمول ويشرف على تجرية تورينج
 رهافة انجليزية ولمسات هودليودية مزعجة:
 اجمل ما في فيلم لعبة المحاكاة هو نسيجه العام حيث المشاهد هو من يكتشف سخرية الشخصية، وآلامها،
 ويشترك فى التجربة مع بطلها، بينما نجد فى بعض المشاهد الالحاح للتأثير على المشاهد ، والتي نخمن ادخالها فى السيناريو فى نسخ لاحقة، ولا يهم دقة التخمين، ما اعنيه، انك ستجد الفيلم يركز على تجربة تورينج، لكن الفيلم يبدأ  بمشهد سيأتي لاحقا للتحقيق معه كجذب لانتباه المشاهد ،، ومشهد اكتشاف الحل فى لقاء تعارف فى بار ، يحيلنا مباشرة لمشهد ماستر سين فى فيلم العقل الجميل، ومن تلك اللمسات الواضحة من لمسات "فورم السيناريو  الأمريكي " جاء فى مشهد جميل كتابة واخراجا وتمثيلا حينما يرفض تورينج ابلاغ الامن فورا بكسر لشفرة آلة انيجما،خوفا من معرفة الالمان ان شفرتهم تم حلها، ولو حدث ذلك لغير الألمان اعدادات آله انيجما وهو ما يعني ضياع كل التجربة ،، والمشهد يكتمل تماما مع مأزق اخلاقي وانساني انهم مضطرين لترك بعض السفن تدمر والضحايا تسقط،،ثم فجأة تجد استطرادا لابتزاز العواطف ان احد افراد الفريق يريد انقاذ سفينة شقيقه، مع حوار وتمثيل يهدم بتقليديته المشهد،وكأنه ذروة مضادة ! اما اللمسة القاتلة -فى ظني-هو تكرار رسالة أو مقولة الفيلم عدة مرات رغم ان الفيلم يطرحها فى أماكنها بشكل مناسب، ثم نفاجئ بالالحاح عليها، ونقصد جملة: اولئك الذين يظنهم الناس بلا قيمة،وحدهم من يفعلون ما لا يتصور. ورغم هذه اللمسات ستجد سياق واسلوب الفيلم فى اغلب  الوقت اكثر رهافة وبساطة، فمثلا فى مشاهد اختيار الفريق المعاون لتورينج ستجد فوتومونتاج لسكان لندن والناس تحل الكلمات المتقاطعة فى المخابئ والقنابل والغارات تتوالي، وفى قصة حب تورينج لزميله فى المدرسة ستجد اللمسات والنظرات وحتى فى القضية التي حوكم فيها.لن ترى مشاهد بينه وبين من استاجره للجنس، ومن اجمل المشاهد اللحظة التي يتم فيها ابلاغه بموت زميله، فيدخل فى لحظة انكار نفسي، حتى انه يبلغ مدير المدرسة أنه غير مهتم ولا يعنيه الأمر، فهو لم يكن يعرف الزميل بشكل كاف لصداقة، بينما نحن كمشاهدين نعرف حجم الألم النفسي ونراه فى عيون الولد الذي ادي مشاهده بشكل يوازي "وفى رأيي"يفوق الممثل البطل، بيندكيت كوبرياتش، الذي يلمع فى مراحل التجربة العلمية وتصوير العالم بخصاله التي لا تطاق، بينما يضيع واحدا من اهم المشاهد مشهد المرض أو الألم من أثر  حكم القضاء البريطاني بالحقن بالهرومانات، ، نعرف الآن أن حكما كهذا يعد من الافعال المؤثمة قانونا الآن مواثيق حقوق الانسان،وهو امر لم يشهده تورينج وغيره ممن عانوا من التمييز  الديني والجنسي الخ الخ،
قصة حب وصداقة وعمل:
الانسة والفتاة الوحيدة فى الفريق،"جون كلارك" يخطبها تورينج ثم نكتشف انه خطبها رغم مثليته لاكمال الشكل الاجتماعي امام والديها، والاهم عنده اتمام المهمة،،لكن الانسة "كلارك" من جانبها ستجدها شخصية جميلة تحبه وتصادقه وتعرف جيدا ان قصتهما محكوم عليها بالفشل ولن تتم، وادت كايلي نايتلي الدور حسب مساحته ، لان الفيلم رغم هذه العلاقة المركبة ونفسية الفتاة ركز على البطل بالأساس وهو محور الفيلم، او ما عمل عليه صناعه بعيدا عن "الاتجار"او ابتزاز المشاعر تجاه شخص سيصفه دائما الناس بأنه وحش ، او لا يطاق، او كما  تقول الترجمة الحرفية:غريب  الأطوار.، ووجدت نايتلي متنفسا فى الاداء لو صح التعبير فى مشهد جميل وهو يواجهها انه استغلها فتصفعه وهي تدوس على اسنانها وترفض ان تعود  مجرد فتاة مطلوب منها اجتماعيا دور السكرتيرة والزوجة الطيعة .
حكاية الطبيعي والمختلف:
يصل بك الفيلم لاعادة التفكير فى افعالنا ومضايقاتنا وايذاءنا وعنفنا تجاه من يختلف عنك، بينما الأصل اننا لا نتشابه بل لكل منا صفاته وميوله وطباعه والفكرة فى التعايش بين مليارات البصمات البشرية، لكن الشعارات مختلفة طبعا عما يحدث ، والا ما كانت الحروب اصلا، والتي مهما اتخذت من اسباب ظاهرية :حروب دينية، حدود، اي سبب، ستجد الحقيقة ان السبب هو اختلافنا ومحاولة طرف فرض نمطه وطبيعته لاخضاع الطرف الآخر،ربما هنا استدعاء لفيلم ثالث هو فيلم الكارتون "الاقدام السعيدة" وكيف عاني البطريق الذي يحب الرقص من البطاريق الذين يرفضون اختلافه عنهم. وسنجد فى لعبة المحاكاة كيف هزم تورينج الة انيجما عندما ادرك تشابه الأفكار بين البشر  فيقدم آلة مضادة ليهزمها.بنفس منطق  البشر تعامل هو مع الآلة !
 اخيرا:ربماا المفارقة الأكبر أن الجملة ومقولة الفيلم المكررة التي اشرت اليها سابقا ليست اجمل واهم جمله-ففى رأيي- أن الاجمل والجملة الفارقة حقا، ما يتحدث عنه آلان تورينج حول أن الناس عندما تتكلم لا تعني ما تقوله، ويريدون منك أن تجيب حسب ما بداخلهم ودوافعهم لقول ذلك. وهو سر عثرات آلان تورينج فى الحياة أنه يعني ما يقول بصدق وبشكل حرفي ومنطقي ،.لو فكرنا بصدق سنجد للأسف أننا جميعا نلعب الالعاب والحيل النفسية بشكل تصفه العامية المصرية "لف ودوران" وفى تجلي شبابي للعامية المصرية توصفه بدقة "بنحور ف الكلام"،
 نحن  هكذا للأسف!
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 39 مارس 2015

Apr 9, 2015

4 ذكريات فى بروجرام واحد

 
عيل كالعيال، ركب القطار وذهب للمدينة، القروش قليلة لكن محسوبة بدقة، سيدخل مع الأولاد "السيما"، ويأكل طبقا من كشري سعيد أو ساندوييتشين كبدة وطبق مكرونة من كات كوت كما تقول "يافطة المحل"، وينطقها ككل الناس كتكوت، تلك التفاصيل سمعها من قبل من شقيقه وأصحابه، وربما من كل الكبار، رحلة العيل كانت مميزة كالعيد، ليس لأنها كانت فعلا فى العيد، بل لأنه مرته الأولى، ذهبوا لسيما عبد الحميد، دفعوا قروش التذاكر،،وقيل لهم ان الحفلة  4 افلام وان اول فيلم اسمه العبقري 5،، "استعيلهم" العامل وخدعهم وبدلا من اجلاسهم على الكراسي أجلسهم على الأرض، وكانت أجمل خدعة حدثت في حياة العيل اياه، هو على الأرض أسفل الشاشة الكبيرة التي صارت مهولة فى حجمها، وكانت أول لقطة سينما يراها فى حياته، زاوية الكاميرا فى اللقطة ومكان جلوس العيل وملامح علي الشريف المخيفة جعلته عملاقا، وزادته هيبة فوق هيبته وهو يدخل بالنبوت محطما أحد المخازن، فشهق العيل و"ندهته النداهة".
 2
 فى  ذلك الزمن الذي يبدو الآن كعصر بدائي، قبل الفضائيات والانترنت وقبل كل شيء تقريبا، كان من المستحيل حدوث معجزة عرض فيلم انتاج نفس السنة فى سيما عبد الحميد او سيما الفيوم،والاكثر استحالة أن يكون من أفلام مهرجان القاهرة،لكن الولد الذي اعتاد "التزويغ" من المدرسة وجد المستحيل يتحقق، فى نفس توقيت نزول فيلم " ناجي العلي" ،، عرض بسيما عبد الحميد، ربما بسبب حملة الكراهية الفاشية  التي شنت ضد الفيلم من دولة مبارك، وربما لاسباب تجارية بحته، المهم.فجأة اختفى عالم بروسلي وجاكي شان وجميلات الافلام التركية بالبكيني، وتبخرت ضحكات افلام الازواج والزوجات المصرية المتشابهة ، وجد الولد نفسه أمام فلسطين  التى يسمع عنها فى نشرات الأخبار ودعاء الجمعة ، تجسدت اخيرا أمامه بعد الغموض والأساطير، عرف ناجي الذي قتل برصاص العدو، وربما برصاص من تبول علي حدائقهم المصطنعة فى الحفل ساخرا من نضالهم المزعوم، ويقول بمرارة (الكلب اللي ينزع شجرة من ارضها ، كيف بدو يحرر بلد ) ، كأنه يرى ممثلا مختلفا عن نور الشريف الذي يعرفه فى نوعيات حبيب مهجتي والقطة الشقية واوعى تبوسني لتكهربني التي اعتادها هنا ،،ومحمود الجندي فى اروع دور له ، المصري الذي ادمن الخمر والذي ينتظر الجيوش العربية ، وطبعا لا تأتي،، كان الفيلم ك"صدمة وعي" علمته انه الافلام ليست  للتسلية فقط!
 3
  زمن كانت النجومية لممثلات من ذوات الوزن الثقيل، حجما لا تمثيلا، من سهير رمزي لهياتم لاسمها ايه صدقي! الخ الخ ، حتى بدت ناهد شريف وشمس الباردوي مسكينتين لا تجدان من يطعمهما غذاء النجمات! أدمن الولد قضاء ليالي الشتاء فى سيما الفيوم الاكثر دفئا من عبد الحميد، و طبعا قد تعلم حيل الاختفاء عن الاهل والاصحاب، واختلاق الحكايات الكاذبة كمبرر لغيابه،،وفى سيما الفيوم كان الجلوس بأعلى ليكشف السيما، فما يحدث بين المشاهدين وقليل من المشاهدات، كان اكثر متعة احيانا من فيلم سمج كفيلم قضية سميحة بدران، واهتم المراهق بعدها بنصيحة اصحابه ممن لم يشاهدوه بحضوره بسبب لقطة لهياتم تجعلم يحتملون عذاب نبيلة عبيد ، كل شيء كان طبيعيا ليلتها سوى سؤال غريب من احد الجالسين، عن مكان ليصلي فيه،،وتبريره المتكرر انه اضطر للمبيت فى المحافظة هنا ، ولم يحضر لنفس اسباب المراهق  لرؤية اجساد الممثلات، ولا للتصلص على عبث المتفرج هذا او ذاك بجسد صاحبته،،نال المصلي سخرية لا تنتهي بعدها من الولد كلما حكى الحكاية، وكلما رأى نظرات الاستنكار فى عيون من يحكي لهم بسبب حساسية الدين، لم يهتم،فقد اعتاد التكفير على اقل من ذلك، ولم يعد يمكن ابتزازه بهذا  السلاح، وظل يحضر للسينمات عامدا وليس مضطرا،كذلك الغريب ، حتى بعد سنوات الوعي بالفرق بين الأفلام وتعبئة الشرائط ،  ظل يحن لجو السيما "بعبلها" ! فيشاهد -على الكمبيوتر - افلاما ومشاهد اضعف حتى من قضية بنت بدران، لكنه يحرص أن تكون كوميدية،خاصة وأنه حينها يعاني نقص الأوكسجين فى الحياة!
 4
 صاحبنا الذي أدمن السيما اصيب بالتخمة من كثرة ما "هرس" من افلام امريكية وهندية وتركية ومصرية فصار يحضر بحكم التعود، ومرة جلس مستعدا لممثلة الوزن الثقيل ليلى علوى ومعها ممثل لم يكن مشهورا وقتها، لكنه بدا لصاحبنا المراهق "ابن لذين "فى التقبيل والاحضان وممارسة الجنس،تبين بعدها ان الممثل اسمه محمود حميدة، والفيلم اسمه انذار بالطاعة، كانت بداية لليلة سعيدة للمراهق، وكل شيء يسير فى مساره الطبيعي كسهرة سيما تنتعش بها الهرمونات،
 لكن فجأة بدأ المراهق يميل قلبه مع صوت الراديو فى خلفية الحوارات، وصورة الشارع، وطريقة المخرج بحركة الكاميرا بألفة غريبة ، وصدق وواقعية تشبه الحياة لكنها اجمل،، رغم مرارة احداث الفيلم ،ويعود عقله للتفكير وهو يرى شابين سرقا بسبب الفقر، ودخلا السجن فتغيرا تماما، وصارت اللحية عندهما اطول من احدهما- احمد ادم،-، وفكر صاحبنا فى بلدته الصغيرة التي تئن بين مطرقة الحكومات الفاسدة وسندان تجار الدين،
 لكن المشهد المرعب بالنسبة لصاحبنا، حين علم البطل بفرح حبيبته وخطبتها لغيره، دخل العاشق لينام دون كلمة واحدة، وهو على السرير والكاميرا تدخل الغرفة بهدوء ثم تركز على رأسه، وفجأة خيط دم ينزل من خلف الأذن على السرير، وقد انفجر شريان فى الرأس، من غضبه المكتوم وحزنه، وقف شعر رأس صاحبنا لحظتها ،ونالته من لحظتها لعنة "الشرود/ السرحان" حين يحدثه أحد،،متخيلا لحظة دخول أمه لتوقظه فتجده كالبطل الغارق فى دمه ،،
ثم شهد فى الجزء الأخير من الفيلم ،ما جعل قلبه  يكبر قبل الأوان بأوان، وعرفت الدموع طريقها لخده،ربما للمرة الأولى ، ربما،
ذلك حين اخذ الاب ابنته ومشيا كصديقين فى صباح باكر ، جعله المخرج من اجمل وارق تصوير الصباح وربما اجمل من الصباح فى الواقع،  الأب -سيد عزمي - هنا ممزق بين ابوته ورجولته حين علم ان ابنته مارست الجنس مع حبيبها، وفى كفة اخرى محبة الأب لابنته ولوعته لأنه مطالب بإيذاءها،، كانت لحظات فارقة ، ووداع لعبل السيما ودخوله لملكوت السينما،   ،بعدها "بخ"تبخر العالم القديم، وكبر العيل/المراهق، دار ولف فى دوائر كثيرة،، وصار من عادته النقد والمراجعة والشك فى كل ما أحب ،
لكن اليقين انه "من يومها "خرج  لكل الدوائر
 وفى القلب مدينة لها دروب وشوارع ،كتب عليها:  عاطف الطيب!

Apr 3, 2015

الطوق والاسورة ..النار هي الاصل !



الطوق والاسورة
النار هي الاصل !
أشرف نصر

لم يذهب خيري بشارة إلى قرية الكرنك بالأقصر، حاملا الكاميرا ليصور، بل ذهب فاتحا نوافذ القلب أولا ليحس قبل أن" يعبر " ومرتشفا كالنحل بعقله وعيونه "ليجسد" مستخلصا عصارة القرية،وناسها، فى تجربة كهذه يشعرك المخرج بحرارة الشمس وصهد القيالة وراحة الطوب اللبن فى البيوت، غبار  الشارع ووحشته وحنان نسيم الأمسيات العابر على شخوص مهما قست الحياة عليهم ، يريدون الحق الأول بين كل الحقوق، حق الحياة،
،،فى البدء كانت الكلمة ، والشرارة من نص أدبي كتبه البديع يحيى الطاهر عبد الله، "الطاهر "يحيى "هذا هب على العالم كعاصفة حلوة حاملا  شفاهية الأهل فى مواجهة تقاليد الكتابية المنقولة من الغرب فى فن السرد، قصة ورواية ، حاملا تراثا لا ينضب من الحكايات جمعه من تراث الأجداد العرب فى  ألف ليلة وليلة وغيرها ممزوجا بحكايات الجدات من الصعيد، ورفاق الدرب ممن تصعلك معهم فى دروب العاصمة،،جمع كل هذا وغزله وحكاه شفاهه لمعاصريه على المقاهي وكتابة لنا تحمل عنفوان وتدفق تلك الشفاهية، فأجمل لحظات القراءة لنصوصه تأتي ونحن نتلوها بصوت مرتفع ! كتب المخرج النص السينمائي بمشاركة يحيى عزمي، وعبد الرحمن الأبنودي ، والأول أستاذ أكاديمي كبير بأكاديمية الفنون استفاد منه خاصة طلاب السيناريو والإخراج، والثاني أحد أساتذة الشعر العامي وايضا رفيق درب ليحيى الطاهر فى رحلته السريعة زمنيا /الطويلة أثرا وتأثيرا. ،جاءت الكتابة من الأربعة  الأديب ، المخرج، السيناريست، والشاعر عن شخوص قرية الكرنك وجسدها : شريهان وفردوس عبد الحميد  وعزت العلايلي وأحمد عبد العزيز وعبد الله محمود ومحمد منير ، 
لن نكون أمام  علاقة تعلي من عنصر  الزمن وتجعله حاكما للمكان كالمومياء مثلا، بل أمام علاقة المكان بالشخصيات ، وأثر المكان الثقيل الوطء على تلك الشخصيات حتى أن الزمن يبهت ولا يصبح إلا أرقاما تتوالى ، والمأساة مستمرة ولو فى تكرار لشخوص آخرين ، يحفرون جدراية من لحم ودم لبشر نسيتهم الدولة والعالم وتحت رحي الظروف يكابدون رعب احتمال نسيان السماء لهم ولمأساتهم..هنا حزينة وبخيت البشاري ونسلهم وجيرانهم البؤساء مورس عليهم قهر العادات والقيود المجتمعية وفى سلسة القهر المستمر يمارسونه حتى على أنفسهم، كل ذلك بفعل قوى وقيود غير مرئية كأنه صراع الانسان ضد القدر فى تراجيديا يونانية نبيلة ومؤلمة، اخطر  واقسى انواع الصراع هو ما يكون ضد قوى مجردة وأفكار وعادات وتقاليد تكبل الجسد وتقتل الروح الراغبة فى الحرية،
، يبدأ  بشارة رحلته/رحلتنا مع كادر ثابت لطيور  على سطح النيل ومع موسيقى بالطابع الجنائزي قدمها انتصار عبد الفتاح، ندخل لغناء أو دندنة الجميلة فهيمة بنت حزينة وبخيت البشاري ، فهيمة شابة ، واقعة بين أم هي كتلة من الحزن كإسمها، وأب كتلة من العجز واللسان اللاذع، فى الفيلم ستجد الذكور تنويعات من العجز  ، من بخيت البشاري العاجز بالشلل لزوج فهيمة الحداد العاجز جنسيا، حتى البطل والمخلص كما ظنوا ونعنى مصطفى عاجز بالفقر،، وفى ألعاب التعويض النفسي يمارس الأب بخيت السخرية وابنه مصطفى بال"الفشر/المبالغات"عن بطولاته فى الغربة ، واعنفهم الحداد يضرب فهيمة ، يطلقها، ثم يحرق زوجته الجديدة، فى مقابل العنف الذكوري سنجد الأناث يحاولن الحياة والبحث عن الخصوبة، فلسن جميعا كحزينة الراضية بألألم، الكئيبة التي لا تجيد الفرح،،ففهيمة تحب زوجها الحداد، وحاولت تضميد جراحه بالحب ، وارتضت بالذهاب للمعبد "للتلقيح"من غيره، ارضاء لمجتمعها، ورغم كل محاولاتها طلقت وظلمت، وماتت بحمى النفاس وقد وقع الفقر والجهل وثيقة الموت بيد المعالج الجاهل،،
واذا كان رجال الفيلم من حجارة كحجارة حضارة غربت ، وتقاليد قبلية عربية تكره الحياة وتبحث عن العنف وتبرر القتل تحت مسمى الشرف لكن خصوبة النساء كخصوبة الأرض فتنجب كما يهلل الأطفال فى دروب القرية:فهيمة بنت حزينة جابت بنت، اسمتها -فى مفارقة - فرحة أو فرحانة التى تكمل الدائرة لنقطة البداية من جديد، وتدفع الثمن حياتها على يد ذكر آخر يطمع فيه كزوجة له ، وحين يفقدها يتعلل بالشرف ليقتلها، متباهيا كفارس، حقق ما تمليه "الرجولة" كل تلك المفاهيم "النسوية/الأنثوية  "تأتي هنا كهمس لا كصراخ، كوجع لا كتناطح، تتسلل دائما بين الكادرات والمشاهد والأحداث،، لأن الأساس بدأ من فكرة أنهم بشر لهم حياتهم وأوجاعهم، وليسوا بضاعة أو سلعة أو فئران تجارب لآخر يتعالى عليهم بمفاهيم غربية ،،بل يتوجع الفيلم معهم بشكل انساني وكلمات وأفكار انسانية يطرحها محمد أفندي المتعلم الوحيد، بشكل حديث بعيدا عن تعليم الكتاتيب وخلافه،
 ففى واحد من أجمل المشاهد -والحقيقة أن اختيار الأجمل أمر صعب فى سبيكة الجمال هنا- للحداد "أحمد عبد العزيز" العرق ينضح على جسده، وزوجته فهيمة تحاوره ربما النار هي سر العجز فيدافع عن نفسه ، لولا النار ما كان الانسان ، فتحاول مرة اخيرة افهامه فلولا النار ما كان ابليس وليس الانسان، ويختتم المشهد بالحداد يطلق الرصاص على الكلب..باحثة عن الحب تواجه باحث عن قوة، وهو عنين يعوض فعلته بعنف وقسوة على كائن اضعف، والحقيقة المؤلمة للذكورة والأنوثة معا وبفعل القيود والأساور التي تكبل الجميع أن النار ظلت الأصل فعلا، فقد انهى الحداد بها حياته وزوجته الجديدة رغم رضاء المحتمع عن الزيجة، لكن وحده يعلم بخيانتها له فى البر الغربي، أو يظن أنها لابد فاعلة ذلك طالما لم يقهرها الحب وخيبة الأمل في عجزه، وبقائها على حبها للحياة ! 
المخرج هنا بمنطق البشر لا يبحث عن شكل "استشراقي"فى الأفراح أو زيارة الأضرحة أو غيره من طقوس شعبية فهو روح أبطاله،، لا يشغله "ابهار"عين متلقيه بل مخاطبة عقله وروحه بما يشغل أبطاله فى طقوسهم هذه،، فى الفرح يدلنا بإشارة صغيرة لهزة رأس محمد أفندى المتأسية على أحوال البلد،،ففرح فهيمة لم يكن لوجه الله ، بل ضمن صفقة بين التاجر والحاكم هنا وهو العمدة بمباركة رجل الدين الشيخ هارون لافتتاح طاحونة بالبلد،،المثلث المشترك والرشوة المدفوعة وفرح بنت حزينة كلها خطوط تتلاقى فى المشهد و"كادر"محمد أفندي المتألم لبلده وأحوالها،،نفس الطاحونة التي ستشهد  مأساة فرحة فيما بعد. تماما كما هي عودة "مغاوير"حرب 48 ومحمد أفندى يلقى الشعر الحماسي الدعائي ، ولا أحد يهتم، بل هناك من فقدت ابنها -عبد الحكم رفيق مصطفى فى الغربة -ثم بعد عودة مصطفى نفسه سنجد أن بطولاته أقرب لأفعال اللصوص، لكن الناس هي التي تقرر فيما بعد من تصنفه بطلا مقاوما للانجليز والاستعمار، ومن تصنفه لصا، كحال كتابة التاريخ، حسب زاوية الرؤية والمصالح! 
حالة التركيز الخالصة التى عاشها ونقلها لنا المخرج، تجعل هزة رأس محمد أفندي مجرد واحدة من العديد من التفاصيل البصرية التي تغني عن الحوار وتصرح بالمشاعر وتخبرنا عما بين السطور، فقبلها هزة رأس بأسى أيضا يفعلها بخيت البشاري، حين يداعب ابنته أن تعزل الدجاجة المريضة عن غيرها، وحين تستعيذ الابنة من الشر عنه، يأسى هو بحق، فهو أعلم الناس بأن الشر قد وقع،، وفى فلاش باك يتكرر نرى فهيمة طفلة وشقيقها مصطفى الطفل يدخن مقلدا الرجال ، فكأننا نلمح مع خصوصية علاقتهما ،،بدايات مصائر ودوائر أدوارهم الحياتية،وأبدع تلك التفاصيل هو تفصيلة علامة الأنوثة تظهر كبقعة على ثوب فرحة وهي تجري بطفولة ولأن الشاب المراهق رآها يساعدها على الوقوف وهي تداري ثوبها، لكن فات الأوان فقد حق عليهما قانون الطبيعة فى العلاقة، والتي لم نعد حتى بحاجة لرؤيتها بعد تلك الإشارة ، حتى الأشواق المكبوتة فى صدور شخوصنا نحسها ببلاغة بصرية وبأقل الجمل والمشاهد،،مثل فهيمة التي تكتحل قبل ذهابها لتسلم عبد الحكم صديق شقيقها زيارة لشقيقها، يسلم عليها بحرارة الشوق المتبادل،
 اختتم ، بمشهد جاء فى منتصف الفيلم ، حكاية ليست بالعابرة أبدا، يبدأ المشهد ببروفيل لوجه فهيمة بعيينها الجميلتين مكحولتين، كأننا أمام وجه نفرتيتي، ثم نجدها كشهرزاد تحكي للحداد حكاية من الحكايات، وفى الحكاية بائع كلام، كل كلمة تنجي بطل الحكاية من الموت، الكلمات كانت الأولى:حبيبك اللي تحبه ولو كان عبد نوبي،،والثانية :ساعة الحظ متتعوضش،، والثالثة:من آمنك لم تخونه ولو كنت خاين..، أمثال من قلب التراث الشعبي، لو بحثت في حكاية الفيلم وفتحت العلب الصغيرة المتتالية داخل العلبة الأكبر ستجدها مفاتيح  حياة شخوص بيت البشاري الذي دخلناه فى الفيلم، وخرجنا منه نحلم بنفس كادر البداية والنهاية ، طيور تحلق بعيدا عن تلك القيود ، والنار  المحرقة !
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 38 فبراير 2015

Feb 25, 2015

عذرا


عذرا، لن اخرج هذا الصباح
 ليس لمرض،
فصحتي كالحصان،
 اسرعوا بلمس الخشب
ولا لكسل، لا سمح الله
 بل لأن  الله سمح
أن تتسخ ابتسامتي
ولم اشتر بعد
مجفف الابتسامات
عذرا اني فقير
اهئ، اهئ 
الى اخر اصوات النهنهة
لا ، لا تخافوا
لا اريد الاقتراض
 لكن كل ثروتي
تلك الابتسامة المعلقة على الحبل
 وقلب صغير
 رغم كل مرات الكسر
ينبض بوم، بو،
_ __
ها قد غاب النبض
ولا حاجة لخروج أو دخول
  فما أكرمك، يا الله
اراحني، واراحكم
 من القلب الروبابيكيا
وسترثون
الابتسامة،
 فلا تبددوها !

25-2-2015

Feb 13, 2015

فيلم حب إلى الأبد


فيلم حب إلى الأبد..
 حب وتضيحة ومواعظ !
 أشرف نصر

شاب يقوم بدوره الفنان أحمد رمزي يضرب رجلا ضربة قوية، يقع الرجل فتصرخ شابة تقوم بدورها
الفنانة نادية لطفي، هذا هو مشهد ما قبل التترات ومع نزول تترات فيلم "حب إلى الأبد" تكون التخمينات قد سارت فى طريق الفيلم البوليسي وتكنيك التشويق،خاصة والتترات تنزل والبطل "أحمد رمزي" يهرول فى شوارع القاهرة ويتوقف لحظات أمام دار القضاء العالي،لكن التخمينات لن تكون صحيحة مع النوع الفيلمي فالفيلم لا بوليسي ولا يسعى لتشويق المتلقي،الفيلم دراما اجتماعية لها صيغة ميلودراما الأربعينات العاطفية الشهيرة فى السينما المصرية حول الثري الشاب النقي وحبه لفتاة دفعتها الظروف للعمل فى الكباريهات!مع مواجهة ضرورية مع الباشا والذي استبدل هنا بالأخ الأكبر المحامي الشهير،وطبعا فى النهاية موعظة أخلاقية !كل ما ينقصه عن ميلودراما الأربعينات تلك هو الأغاني التي يؤديها مطرب شهير أو مطربة محبوبة! فالفيلم الذي كتب له السيناريو:وجيه نجيب،والحوار: محمد أبو يوسف،وأخرجه يوسف شاهين ! سنجد  الشاب "أشرف – أحمد رمزي" القاتل مثقل بالاحساس بالذنب، حتى يصل لشقيقه "محمود-محمود المليجي" الشقيق الأكبر المحامي الشهير والمرشح للبرلمان، من الطبيعي أن يشعر محمود بالعار والخوف على مكانته مما فعله الطائش "أشرف" من جريمة ستدمر مستقبله، ويسير الفيلم بين قصة القتل وأسبابها ونتائجها وبين محاولات "محمود" لحماية نفسه بل وتدمير من يقف فى طريق مستقبله السياسي ولو كان على حساب سعادة وحياة شقيقه. وحسب المفاهيم التقليدية سر الحكاية عند المرأة التي ظهرت بجانب أشرف عند الجريمة، فتش عن المرأة كما تقول المقولة الفرنسية، لقد تخلص أشرف من زوج السيدة لأنه يحبها، الأمر هنا أمام مثلث الزوج والزوجة والعشيق، عبر تنويعة أن الزوج هنا مجرم هو من دفع الشابة للانحلال الأخلاقي و"رد سجون" بينما هي نقية لم يدفعها سوى الظروف للكباريهات بعد أن كانت تعمل فى شركة محترمة ! فيلم "حب إلى الأبد" فيلم أبيض وأسود ليس لأنه كذلك فعليا لظروف التكنولوجيا، حيث لم تكن السينما قد وصلت لإختراع الألوان، فالفيلم إنتاج 1959، لكن المقصود أنه أبيض وأسود فى كل شيء، شديد الوضوح فى ملائكية أشرف وشيطانية محمود، حتى الشخصية التي تتعرض لانتقالات عنيفة وهي شخصية آمال ،لم يتوقف عندها الفيلم كثيرا أو يحاول تحليلها خاصة ونحن نراها أكثر الشخصيات التي من المفترض أنها تعرضت لتغيرات من زوجة لحبيبة ومن موظفة لفتاة كباريهات ومن حبيبة للوصول لاعترافها أمام البوليس لتخليص محبوبها ثم انتحارها..لكن الفيلم يركز أكثر على الشقيقين أشرف ومحمود وهي مجرد مكمل للحكاية مثل شخصية نادية جارتهما فى الريف (يريد محمود الزواج منها وهي تحب أشرف) ..حتى عند معرفة الجارة بحب أشرف لآمال لا يظهر أي رد فعل للشخصية ..وإنما المهم والرئيسي لدى صناع الفيلم أن أشرف شاب طيب مخلص مستعد للتضحية فى سبيل من يحب، بينما محمود أناني كذاب يحاول التلاعب بالجميع من أجل صورته ومركزه فى المجتمع. ومن المشاهد البصرية الجيدة مشهد ركوب الخيل حيث يهرول محمود بحصانه ويحاول أشرف اللحاق به لكن لا يقدر ويسقط ويتركه محمود وهو يلقى عليه نظرة ساخرة، ففى المشهد وضع تصور حركي وبصري يوضح موازين القوى فى الصراع القائم عليه الفيلم ..لكن المحاولات عادت لطرق تقليدية مرة أخرى مثل استخدام مؤاثرات البرق والرعد عند فتاة الكباريهات بينما فى الريف ستجد الجو صحوا وجميلا يصلح لركوب الخيل دون مطر أو شتاء قارس كما يظهر فى مشاهد نادية..لا أقصد الطقس تحديدا بل أسلوب الفيلم ففكرة الرعد والبرق والفتاة عند السقوط الأخلاقي صور معتادة ومكررة . ربما سنجد هنا أحمد رمزي فى المرات القليلة فى تاريخه يتخلى عن دور الولد الشقى الدونجوان ليمثل، خاصة والشخصية لا تسعى لإظهار الحب قدر ما تسعى لاظهار سذاجته فى البداية والتضيحة بكل شيء فى سبيل من يحب ثم تكشف الحقائق والمواجهة مع شقيقه،وفى مقابل ذلك قدم المليجي دور الشرير المعتاد منه المتلاعب بالجميع والذي يظهر غير ما يبطن، وسنجد فى مشهد "مسرحي-نكرر مناسب للتيار السائد وقتها- " مواجهتهما أمام الناس وهو يفضحه فى خطابية مباشرة وكلام عن الشرف والحقيقة التي يجب أن تظهر للناس ، بل نسمع"مقولة" " الفيلم الختامية "بمباشرة" تليق بالفيلم وطبيعته-: إنما الأعمال بالنيات! ربما وحده تاريخ انتاج الفيلم يفسر لنا لماذا نرى اسم يوسف شاهين على الفيلم –الذي لا يعيبه مجارته للتيار السائد- لكن يثير الاندهاش كونه من إخراج مخرج عُرف منذ أول أفلامه بالسعى وراء التجريب والتجديد والتمرد على الصيغ المألوفة فى السينما بكل عناصرها وأولها السيناريو وليس آخرها الإخراج، لقد جاء فيلم "حب إلى الأبد" بعد "باب الحديد" مباشرة، وحين نسمع اليوم ونحن فى ظروف مختلفة تماما عما حدث من هجوم وإحباط للمخرج بعد تجربة بأهمية باب الحديد، ربما نلتمس الأعذار ونعرف أن بعض المحطات ولو كانت عادية وغير ملهمة لكنها لابد من المرور بها للوصول للمحطات الأهم فى الرحلة !
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 37 يناير 2015

Feb 1, 2015

فيلم ثلاث قصص


  فيلم ثلاث قصص..
ثلاثة من دوائر حياة الإنسان
 أشرف نصر
  ربما مشاهدة فيلم:ثلاث قصص(دنيا الله- 5 ساعات - إفلاس خاطبة)وهو إنتاج 1968،فى عامنا هذا تثير
 الشجن على أحوال السينما المصرية الآن فبدلا من البناء على مغامرات وانفتاح الرواد ومواكبتهم الدائمة لتجارب السينما العالمية،تضع السينما المصرية نفسها الآن فى أضيق "مربع" من "مربعات" هذا الفن،على أي حال،عبر تاريخ الفن السابع سنجد العشرات من هذه التجارب مصريا –قديما- وعالميا –دائما- لتقديم عدة أفلام قصيرة فى فيلم واحد –ولكل فيلم قصير مخرج وفريق عمل مختلف- يجمع بينها فى الفيلم الطويل رابط مشترك،وهي ميزة تبرز ما يشبه التنويعات على لحن واحد،وفى فيلمنا،نبحر فى قارب مصنوع من خشب القصة القصيرة،من خلال ثلاثة من قصص "آباء" الأدب فى مصر. - دنياالله: قصة:نجيب محفوظ-سيناريو:عبد الرحمن فهمي-إخراج:إبراهيم الصحن بطولة:صلاح منصور–ناهد شريف -5 ساعات:قصة: يوسف إدريس-سيناريو:بكر الشرقاوي-إخراج: حسين رضا بطولة:رشوان توفيق–نادية لطفي -إفلاس خاطبة:قصة:يحيى حقي-سيناريو:إسماعيل القاضي-محمد نبيه-إخراج: محمد نبيه وبطولة:سميحة أيوب-عبد المنعم إبراهيم البداية فى فيلم " دنيا الله" تضعنا مع الشخصية الرئيسية مباشرة وهو العم إبراهيم –الساعي فى مصلحة حكومية-وعبر لغة الصورة،ودون حوار،سنفهم هامشيته فى المكان،والعلاقة المتنافرة بينه وبين المكان،وبينه وبين شخوصه، فهو يوزع الملفات على موظفين مشغولين، كل فى عالمه،بين من يتحدث فى التليفون ومن يثرثر مع صديقه،ومن ينظر لفتاة تقف فى بناية مقابلة للمصلحة وهو يغازلها بالإشارات،والعجوز عم إبراهيم هو كم مهمل،ينظر له الجميع بضيق أو عدم اهتمام، ثم فى مشهد ثان هو فى المقهي وبائعة اليانصيب تمر على الطاولات حتى يهمس لها –زبون دعارة- فتذهب معه وهو يعد النقود،وثالثا عم إبراهيم فى بيته يأكل مع زوجتة فى غرفة بائسة وزوجة عجوز تقاربه فى سن الستين،ولا يبدأ الحوار إلا بعد الحلم ب" ياسمينة" بائعة اليانصيب والنطق بإسمها،نحن إذن أمام تلخيص لتاريخ شخصية فى مشاهد قليلة،ولب أزمتها ومحور الحكاية،ومن جمال وأساسيات فن السينما،أو فلنقل امكانات توفرت عن فن القصة القصيرة أو الرواية أو غيرهما،أنها تستطيع تلخيص عشرات الصفحات فى الوصف بكادر واحد،وهو ما حدث هنا لو عدنا لقصة نجيب محفوظ،وقارناها بالفيلم،ولا نتحدث عن تفضيل لفن عن غيره،وإنما أدوات مختلفة فى كل منهما،عم إبراهيم الذي ضاع عمره هكذا،نجده فيما بعد يتولى قبض مرتبات الموظفين،اولئك الذين لا يحسون به،بين المتزوج من ثرية،أو"العايق"أو غيرهما،وتنقلب حياتهم بسبب عدم عودته، فمرتب الشهر اختفى معه، من جمال الفيلم سنجده فى نقطة التحول الدرامي فى الحدث،نقلنا فى تكثيف من فعل "لم نره" لرد الفعل مباشرة،بمعنى أننا نجد عم إبراهيم عائد ومعه مرتبات الموظفين،وهو فى الشارع يقف أمام احدي الفتارين،حيث يرى بذلة فى واجهة المحل،ثم القطع مباشرة عليه فى تاكسي وهو مرتديا للبذلة ويشير لبائعة اليانصيب "ياسمينة" فتركب معه ويتحرك التاكسي. الحدوتة فى مستواها الواقعي سنجدها تكمل مغامرة العجوز،الذي لا يرغب سوى فى سرقة أيام متعة قبل انتهاء العمر،فيذهب للاسكندرية ومعه الفتاة الجميلة،ورغم الضيق والخوف من الشرطة لكنه ينجح فى سرقة بعض المتعة،حتى تنتهي النقود،ويتغير الحال بالفتاة التي تنقلب عليه حين تدرك بسرقته للمال،وحتى نهاية المغامرة بالنهاية الواقعية بالقبض عليه،لكن لأن نجيب محفوظ عودنا على تعدد المستويات بين الواقعي والفلسفي فى قصصه ورواياته،يليق الفيلم باستيعاب معاني القصة فى بعدها الفلسفي،حول معنى حياة الانسان فى دنيا الله،وأزمته بين الإلتزام بالطريق القويم وبين الرغبات التي تفتك بالانسان،سنجد أزمة الشخصية "إبراهيم" ورغبته الوحيدة فى اقتناص ما ضاع من متع ،ومع حس أخلاقي بل ويمكن القول أنه ديني – زيارة المرسي أبو العباس،وابتهاله الأخير لله أن يغفر زلته- ونبل الشخصية يتجلى طوال الفيلم،فحتى حين سرق المرتبات أرسل راتب الموظف الوحيد صاحب العائلة المديون،وأرسل مرتبه لزوجته الفقيرة،وفى مغامرته بالإسكندرية سنجده يعامل الفتاة كسيدة مجتمع لتستمتع بما سلبه منها الفقر،وصدمته حين حاولت سرقته بأنه يريد اعطائها المال فى نهاية الرحلة، وفى مشهد الذروة والمصارحة بين العجوز وياسمينة سنجد زوايا التصوير من أسفل وهما جالسان على الأرض ويسكران،والإضاءة الخافتة والسرير كقضبان تحاصرهما،ومثلما قدم الفيلم الشخصية فى البداية بلغة الصورة ومشهد الذروة مستغلا الصورة والحوار ومكونات الكادر من تصوير وموسيقى وإضاءة وتمثيل الخ ينقلنا فى أجمل مشاهد الفيلم القصير- والطويل معا-  لمشهد حلم لعم إبراهيم وهو يرى نفسه انقسم ثلاثة كل منهم فى مكان،وهو يزحف تجاه ياسمينه وتزحف نحوه،ليأتي مشهد الابتهال فى مسجد المرسي أبو العباس والقبض عليه بعدها،فالعم إبراهيم الطيب لم يأخذ من دنيا الله سوى أيام خاطفة عكرها الخوف والمتاعب وخرج من دنياه كما دخلها، هامشيا،حزينا. أما القصة الثانية "5 ساعات" نجدها تركز على الحدث،فالموقف هو البطل وليس الشخصية كالفيلم السابق،ففى بداية مشوقة نحن أمام تربص وإطلاق رصاص على ضابط أمام بيته، ويقذف بنا الفيلم فورا للحدث عند وصوله للمستشفى فنعرف فى حوار خاطف،أننا أمام 5 ساعات مصيرية هي وقت الجراحة،لا وقت هنا سوى لأزمة الفيلم :الضمير المهني والانساني فى مواجهة قهر السلطة،فالهم السياسي هو موضوع الفيلم والقصة بعد أن كان الهم الوجودي فى القصة الأولى،فالضابط المصاب من الضباط الثائرين على نظام الملك،والبوليس السياسي يريد من الطبيب قتله بإهمال الجراحة،وتركه ينزف، لكن الطبيب وفريق العمل يخوضون المغامرة بشرف رغم أن النتيجة هي موت الضابط  بشكل قدري المهم هو تأدية واجبهم والدخول للسجن ثمنا لتأدية الواجب. سنلاحظ أن الفيلم ينسجم مع التوجهات السياسية للنظام الحاكم وقتها،لكن ما يهمنا أكثر من الجدل السياسي هو البناء التشويقي فى إجراء الجراحة واستغلال المكان والإضاءة والإيقاع السريع،ورسم ملمح بارز للشخصيات فلا يمكن نسيان دور طبيب التخدير"حمدي أحمد" الساخر المعتاد على المعتقلات،والخبير بنوعية السلطة الحاكمة والذي يضع الجراح"د.إبراهيم" أمام مسؤوليته الأخلاقية مباشرة أن يخاف أو يتعامل بنزاهة ويتحمل تبعات قراره،ويكون منطقيا أن نجد بصريا فى آخر لقطات الفيلم "كادر مقلوب" للبيوت كعلامة بصرية "وإن كانت مباشرة" لخلل النظام. أما القصة الثالثة:إفلاس خاطبة سنجدنا رغم البداية الكوميدية "الفارس" للبطل "فواز" وهو يقع من على السرير ويتعثر فى السجادة وينسكب عليه اللبن فى المطبخ ويجلس على إبرة الخياطة،وهي بداية من أسهل وسائل الإضحاك للمتعة الخالية من أي فكرة ورائها،سنشعر بإحباط بعض الشيء،لأن موقع "إفلاس خاطبة" هو الثالث وبعد شحنة فنية ومعنوية كبيرة،وربما كان فى الأمر من زاوية أخرى "ريليف/ اراحة" لأعصاب المشاهد بعد الهم الوجودي والهم السياسي لنصل لهم اجتماعي،ففواز يريد الزواج ويبحث عن شريكة العمر عبر الخاطبة "بديعة"،ترتقي الكوميديا بعد البداية "الفارس" لكوميديا الأنماط الاجتماعية، حيث نجد الأب الذي يدعي التدين ويضع شروطه على العريس المنتظر هو مجرد مقامر،والعائلة الشعبية تدعي أنها من طبقة أرقي،حتى نصل لفتاة عصرية ترفض منطق الزواج التقليدي وتضع فواز أمام مسؤوليته فى أنه يجب أن يختار هو رفيقة حياته عبر العقل والحب –فى دور شبيه لدور طبيب التخدير فى الفيلم السابق- فيصل فواز لقراره بالزواج من الخاطبة. الفيلم الخفيف-وليس فى التوصيف حكم قيمة-هو آخر الأفلام أو النقطة التي فى نهاية الجملة لنعود للفيلم "ثلاث قصص" ككل،فنرى القصص الثلاثة تنسجم حول أمر هام جدا وهو فكرة القرار.قرار إبراهيم الساعي العجوز أن يحيا،وقرار الطبيب إبراهيم أن يقدم الواجب الوطني والأخلاقي على أي مخاطر وقرار فواز بأن يختار من يتزوجها.فلابد من إمتلاك الإرادة واتخاذ القرار كي نتحرك فى دوائر الحياة كما نحب.  
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 36 ديسمبر 2014

Dec 19, 2014

على من نطلق الرصاص




"على من نطلق الرصاص"
السياسي والعاطفي والاجتماعي
كلها دروب لطريق واحد
أشرف نصر
تأليف:رأفت الميهي
إخراج:كمال الشيخ
بطولة:سعاد حسني-محمود ياسين-مجدي وهبة
فى واحدة من أبرع بدايات الأفلام أو"نقطة الهجوم" الدرامية،شاب يدخل لمقر شركة ويطلب مقابلة رئيس مجلس ادارتها،الشاب ينتظر قليلا،ثم يدخل دون إذن لمكتب الرجل المهم، لحظات والكاميرا فى مكتب السكرتيرة نسمع بداخل مكتب رئيس مجلس الإدارة صوت رصاص،وفى المكتب الشاب يطلق النار على رئيس مجلس الإدارة،تسود الفوضى فى الشركة،الشاب يهرب وأثناء هرولته بالخارج تصدمه سيارة،،نعرف معلومة صغيرة من السكرتيرة للمحقق أن المجنى عليه لا يعرف الجاني،لنعود أمام الشركة فنجد الجاني والمجني عليه ينقلان معا فى سيارة إسعاف واحدة!
تقديم ذلك فى لقطات ومشاهد مكثفة،وتركيز من المخرج على وجوه الجميع لنقل المشاعر المتضاربة وسارينة سيارة الإسعاف –وزمنيا فى وضح النهار- وبإيقاع سريع لاهث لتأتي بعدها تترات الفيلم،، فندرك أن كاتبا كرأفت الميهي ومع مخرج بحجم كمال الشيخ قد نجحا فى وضع الطعم لنا،سوف نلتصق بالمقاعد ولن نغفل أو نحس بلحظة ملل،بل أسئلة لا أول لها ولا آخر،ما الحكاية؟من هؤلاء؟لماذا؟الخ
نحن إذن أمام فيلم بوليسي يعتمد على تكنيك التحقيق لتكشف الحقائق،لذا كل تفصيلة صغيرة ستدلنا على الحقيقة،ومن خبرات المشاهدة ندرك أن كل المعلومات التي تظهر أولا سيتم التشكيك بها لاحقا لصالح الحقائق فيما بعد،وعلينا الانتظار والانتباه بدقة لنصل للنهاية التي ستحل اللغز،الفيلم البوليسي وتكنيك التحقيق هو نوع فيلمي جاذب جماهيريا دائما.لكن الأهم هو تحميل ذلك الشكل التجاري لمضمون فني وسياسي وانساني ومن قبل ومن بعد مضمون سينمائي يليق بصناعه –الميهي والشيخ ونجوم الفيلم فى مرحلة نضجهم-فالفيلم إنتاج منتصف السبعينات.
البناء السردي يقوم هنا كتابة واخراجا على فكرة أبعاد الصورة المتعددة،كل مشهد محتشد بالتفاصيل المكملة للصورة الأشمل والتي لا يعرفها سوى المشاهد –الذي يصبح بمثابة القاضي العادل للحكم على هذه القضية-،يبدأ المشهد من نقطة ويعرض فى منتصفه معلومة ويصل لخاتمة،ويتحرك المخرج بالكاميرا على وجوه شخوصه فنكتشف أن لكل منهم موقفه المختلف أو زاويته لمحتوى المشهد.فمثلا أول مشهد لظهور تهاني زوجة المجني عليه رشدي سوف تقابل زوجة الجاني وبينهما يقف الضابط،زوجتان لكل منهما زوج فى غرفة مختلفة ولكل منهما زاويتها فى رؤية ما جرى فى الحادث ويقف الضابط يراقب الجميع ليكون عيننا التي نكتشف بها الحقائق،
من خلال الضابط نشاهد مصطفى "الجاني- كوصف قانوني وليس انسانيا كما ندرك بعدها"من قيادات الحركة الطلابية فى السبعينات "ذلك الجيل النبيل الممزق" الذي تظاهر مطالبا بمعرفة المتسبب الحقيقي فى هزيمة 67 ولم يلق إلا التعذيب والتشريد والخراب النفسي جراء حب وطنه!وبهذه اللقطات القصيرة زمنيا،انتقلت القصة بنا لأبعاد سياسية ويقدمها المخرج بذكاء فى لقطات أبيض وأسود لبطله مصطفى وهو يتظاهر والشرطة تضربه ويغزلها بلقطات أرشيفية لمظاهرات 68 الشهيرة.وتنتبه حواسنا أكثر حين نعلم أن رشدي رئيس مجلس الإدارة هذا له علاقة بكارثة المساكن التي تهدمت على الفقراء.
وحين تدخل الحكاية بعدها الثالث أو العاطفي حين ندرك أن "الجاني" مصطفى يعرف تهاني زوجة "المجني عليه"،لم نعد لمثلث الزوج والزوجة والعشيق،بل ما هو أجمل واثرى دراميا، فنعرف من خلال التحقيق عن أن مصطفى وتهاني أصدقاء بدأت وماتت بينهما قصة حب خلال خطبتها لسامي "مهندس" صديق لمصطفى،وسامي هذا هو من تم تقديمه ككبش فداء فى كارثة المساكن على يد من أصبح زوجها،
كل تلك الحكايات المتداخلة مغزولة بعناية شديدة فى السيناريو،والمخرج يقدم مشاهده بالطريقة المشار لها سابقا،معظم المشاهد تحوي عدة شخصيات وفى الانتقالات بين تصرفاتهم وانفعالاتهم وباستخدام الموسيقى ،وكسر الحوارات الطويلة بلقطات"انسرت شووت" لانهيار المساكن مثلا.
والمخرج الذي بدأ حياته مونتيرا،وقدم كل هذه الأفلام البارعة فى تصوير مشاهد الشارع-راجع مثلا حياة أو موت-سنجده هنا يقدم ب"سلاسة الخبرة" مشاهد علاقة تهاني وخطيبها سامي وصديقهما مصطفى بجوار نيل القاهرة،حيث بهجة الشباب أثناء المشى على الأقدام وخلفهم العمارات والفنادق الغالية،أو وهي تريد التصوير بجوار سيارة فارهة،ثم الانتقال فيما بعد لمشهد لقاء مصطفى بتهاني بعد موت سامي،هذه المرة يبدأ المشهد بالسيارة الغالية وقد تغير ماكياجها وملابسها بعد أن تزوجت الثري رشدي رئيس مجلس الإدارة،وهذه المرة لن يكون الشارع مصدر الفرح بل مكان مقفر قبيح حيث يتواجهان بأزمة جيل!
هذه المرة سندرك تحول الشخصيات:مصطفى الممتلئ بالصحة وقوة الرأي صار عصبيا مريضا نفسيا مرتبك المشاعر،وتهاني الجميلة الحيوية المبتهجة ضاع بريقها رغم ثراءها الآن، وفى ذكاء شديد يتم تقسيم المشهد على مشهدين،النصف الأول تحكيه للضابط وكأنه عتاب صديق لصديقته والعكس على اختلاف دروب الحياة واختيارات الزواج،ثم تتذكر وحدها بقية المشهد بعد خروج الضابط من المكتب لنرى مصارحة مصطفى لتهاني بحبه الذي كتمه بداخله مراعاة لصديقه بينما هي تزوجت بمن قتله فى السجن،
تعود تهاني للبيت فنرى اخراجيا الشارع كصور غائمة بجوار السيارة ودموعها تنزل،فلم يعد هذا شارع الجيل الحالم!بل ستصل لبيت زوجها الثري الذي يرى أن كل كلام مصطفى جزء من حقد الحاقدين ومؤامرة على الناجحين مثله من المسؤولين فى الحكومة.
يصل التقدير –عندي- لمداه لرؤية الفيلم مع نهايته غير المتصالحة بل الكاشفة،فحتى الضابط تصله أوامر بالتمهل قبل فتح القضية الأكبر التي هي أكبر من تهاني ومصطفى وسامي وغيرهم، قضية الفساد الذي ينخر الوطن ويعد رشدي مجرد حلقة فيه،لن يخدر الفيلم متلقيه عبر "التطهير الدرامي"،بل النهج التحريضي هو الأساس،عليه أن يفكر جيدا فى اسم الفيلم وما شاهده،على من نطلق الرصاص،والجميل أنه بلا علامة استفهام،لأنه ليس سؤالا بل كأنه دعوة للانتقام ممن سلبوا هذا الوطن مقدراته،والأبرع فكريا أن الحل الفردي لا يفلح،فمصطفى تطيش رصاصاته كأنه سعيد مهران آخر،فالرصاص لن يصل لهدفه إلى حين نعود للمرة الألف للعنوان وهذه المرة لكلمة "نطلق" وليس "اطلق"..فالحل يجب أن يكون جماعيا!
 ***
نُشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 35 نوفمبر 2014