Apr 12, 2014

12 Years a Slave


12 Years a Slave

تاريخ من الألم والعار

أشرف نصر
إنتاج : أمريكي 2013
تأليف: القصة الحقيقية من مذكرات سولومان نورثوب
 والسيناريو ل: جون ريدلي
إخراج : ستيف ماكوين
بطولة: شيوتيل ايجيفور
جوائز واعتبارات:
بعض الأفلام تعد بمجرد ظهورها على شاشة السينما حدثا سينمائيا ، وتحتفي بها المهرجانات بل ويمكن القول أن الجوائز تسارع إليها وليس العكس ، ويعد فيلم " عبد لاثنتي عشرة سنة " أحد نماذج تلك النوعية ، فالفيلم منذ ظهوره يواصل حصد الجوائز فكان من المنطقي ترشيحه لتسع جوائز أوسكار 2013 ، وبعيدا عن الجوائز – التي لا تخلو للأسف أحيانا – من الحسابات غير الفنية ،فهذا الفيلم يحظى باحتفاء نقدي وجماهيري كبير
ثنائية السيد /العبد:
الجديد فى القصة الحقيقية التي يقدمها الفيلم أن ثنائية السيد والعبد لم تقدم لنا صراعا بين أحد السادة وأحد العبيد وصراع الإرادات بينهما بل سر مأسأة البطل فى زمن العبودية فى أمريكا أنه رجل حر تعرض لخديعة فبيع على أنه عبد ، صدمة تُدخل السيد سولومان فى دوامة وجحيم لا نهاية له ، إن القيود والأغلال تبدو أهون ما في الأمر ، التجربة التي علينا أن نكابدها مع البطل ليست حتى فى أن يصبح العبد بلات ، فقد تم تغير اسمه كما تغيرت حياته ، هكذا يصبح هو رب الأسرة السعيد الذي يعزف الموسيقى ويحظى باحترام الجميع لنوع آخر أو درجة أقل بل يصبح شيء مجرد ملكية خاصة لانسان مثله ، لمجرد أن أحدهما لون جلده أبيض والآخر لون جلده أسود.
فى رحلة الفيلم يكشف الفيلم عشرات التفاصيل التي نفعلها ببساطة دون أن نحس ونحن نفعلها بنعمة الحرية ، تفاصيل كالنوم وقتما نحب ، والاستحمام ، وممارسة الجنس مع من نحب ، وحتى الرقص يعزف هو للعبيد ليرقصون ليس لأنهم سعداء بل لتسلية السادة كأنهم قرود أو حيوانات سيرك !
تفتح التجربة عيون البطل على عصره وما رآه قبلها من تفاصيل ظن أنه بمنأى عنها ، فقد تذكر كيف دخل مع زوجته احد المتاجر وعومل بإحترام وحين تجرأ أحد العبيد المارة على الدخول اخرجه سيده من المتجر وهو يعتذر للسادة !
هكذا تنفجر الأسئلة والجميل فى السيناريو الإشارة لها عبر المواقف الدرامية دون أن تطرح فى الحوار ودون حتى مولوج داخلي للبطل نسمعه ك"فويس اوفر" بل الفيلم يعتمد على وضع المشاهد فى التجربة كي يشارك بطله المأساة ، فلماذا تمنح الحقوق لانسان وتسلب من غيره ، تتسع دائرة الحقوق فى جحيم العبودية من التفاصيل الحياتية الصغيرة وصولا للحق فى الحياة ، ف"السيد" وحده يقرر من يعيش ومن يموت !
البقاء  أم الحياة ؟ :
فى بداية رحلة العبودية يحاور سولومان زميله العبد الذي يرى أن من يريد البقاء حيا منهم عليه الطاعة وعدم اخبار احد انه يقرأ إلى آخر الوصايا التي تجعلهم مجرد آلات عمل بلا روح أو تميز يجلب غضب السادة فيرد سولومان فى جملة دالة: لا أريد أن أحيا بل أن أعيش.
وخلال الفيلم نلمس سر تميز سولومان فهو لم يستسلم من داخله وظل رغم وجود ألف سبب لليأس لكنه يقاوم ، يرفض أن يقبل الفكرة ، نعم حاول الهرب فى أول فرصة وصدمه مشهد شنق عبيد فى وضح النهار لكن الفكرة هو أنه لم يقبل فى قلبه الاستسلام فنجا ، واستطاع العودة للحياة، فكم من أناس يتنفسون ويمشون على الأرض وهم أموات فقدوا حريتهم فبقوا ولكنهم لا يعيشون !   
 قسوة العلاج :
هل انتهت العبودية ؟ هل أمريكا والعالم اليوم فى حاجة لمشاهدة فيلم يحكى عنها وعن هذه المرحلة من تاريخ البشرية؟ الحقيقة أن من يأمل خيرا فى البشرية عليه أن يجيب بنعم لأننا بحاجة للمكاشفة والتذكير بجرائمنا كبشر فى حق بعضنا البعض، وفى مثل حالاتنا هذه نحتاج لصفعة لنفيق ونعرف جرائمنا على مدار تاريخنا، لاحظ أننا لم نتكاشف عن جرائم العبودية فى تاريخنا العربي!
وهو ما نجده هنا فسوف نلحظ تعمد اظهار مشاهد  التعذيب كأنه يؤلم مشاهديه بنفس ألم 
أبطاله،الكثير من الجلد والصفعات والأجساد التي تشققت تحت السياط، لعلنا نحس !
***
نُشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 27 مارس 2014 


Mar 6, 2014

فيلم ALL IS LOST

All Is Lost
فقدان كل شيء وسر الأمل !
أشرف نصر

فى فيلم "كل شيء مفقود" أو "الكل ضائع" يبحر بنا الكاتب/المخرج  جي سي شاندور  فى عالم مذهل ببساطته عسير فى مواجهته ،لكن لابد للرحلة أن تتم ولابد أن نصل أو نضيع!
يتخلص المخرج من عناصر كثيرة فى الدراما أو بالأدق يركز على مفرداته التي يحتاجها، فالفيلم يمكن أن نصفه بأنه: شخصية فى موقف!
"بحار يستيقظ فى قاربه البخاري "اللنش" ليجده مثقوبا ويحاول النجاة" هذه الجملة هي كل حدوتة الفيلم لا نعرف ماضي البحار العجوز ولن يقدم الفيلم أي فلاش باك ولا أي تخيل لمستقبل بطله فالمهم هو الحاضر ، المهم هو المواجهة التي وجد فيها الرجل نفسه ،هو والمحيط ،ليس معه من الطعام ما يكفي إلا لنصف يوم واللنش مثقوب وهو معرض للموت ،يأخذنا المخرج فى رحلة رأسية وليست أفقية فلا تتوالي الأحداث وإنما يتصاعد الموقف عبر غرق اللنش وبقاءه وحيدا فى مركب النجاة الصغير وهو يحاول الاعتماد على الخرائط ومواقع النجوم للوصول لأي نقطة ولأي بارقة نجاة.
إن الحياة التي قُذف فيها الإنسان الأول وحيدا، بقدرات تبدو للوهلة الأولى محدودة جدا، هي ما تستدعيه الذاكرة ونحن نرى بطلنا الذي يصارع المطر والريح ومخاطر الغرق والأسماك ،الإنسان هنا ضد العالم، ضد الطبيعة ، وعليه أن يحول هذا التضاد إلى تناغم .
 لا حاجة للحوار هنا،نعم يقول البطل فى صوت الراوي رسالة تبدو رسالة وداع لمن عرفهم – ولا نعرف من هم -، ونراه فى نهايات الفيلم قد كتب تلك الرسالة ووضعها فى زجاجة (برطمان) وألقاها فى المحيط الواسع علها تصل لأحد!
ومع سطور الرسالة القليلة هناك جمل معدودة فى بقية الفيلم فما الحاجة للحوار وهو وحيد تلك الوحدة الموحشة وهو هنا فى مواجهة عالم أصم ،طبيعة لن تتكلم معه سوى بأمطارها وبردها وأسماكها!
ليس على البطل إذن سوى أن يواجه، عليه أن يقاوم ، يتسرب الإحباط لنفسه مرتين عند مرور سفينتين من سفن البضائع ولا يراه أحد من تلك السفن، فيعود لحقيقة أن عليه الاعتماد على نفسه والمقاومة عبر عقله ، ومستعينا بقدراته الجسدية ،دون انتظار أحد
والشخصية هنا وإن لم يقدم لنا المخرج أي تفاصيل عن حياتها إلا إنه يقدم لنا أهم ملامحها ونعني البطولة ويقدم تلك البطولة فى ملمح واحد ووحيد ودال هو الصمود
فلو كان البطل شخص انسحابي يرغب فى الانتحار لانتهت القصة فى بدايتها وغرق منذ اللحظة الأولى أو مع فقدان أول بارقة أمل – مركب البضائع- العابر .
وكما لا يستدعي شخصيات أخرى لعالم بطله ، لا نجد مفارقات أو مفاجآت درامية، فقواعد اللعبة واضحة ومكشوفة منذ البداية البطل فى مواجهة البحر ، ويقوم الصراع بينهما وهو صراع بالطبع غير متكافئ لكنه صراع مرير ليس بسبب قدرات غير عادية للبطل وإنما بسبب العزيمة التي لا تلين
وكما ينفرد الفيلم ببطل وحيد نجد أن الممثل الأمريكي روبرت ردفورد يقدم فى الفيلم (عزف صولو) تمثيلي مدهش فى بساطته فالممثل بمرحلته العمرية وخبراته فى الأداء وكأنه يعيش التجربة فى حياته ،ويستطيع المخرج اخراج الانفعالات المطلوبة عبر قربه معظم الوقت بالكاميرا من ملامح بطله وما يفعله وعبر اللقطات القريبة والمتوسطة نكون دائما فى نفس مأزق البطل، ويظل المخرج ناقلا لوجهة نظر البطل وحده ،فنحن مثلا لن نرى أحدا على مراكب البضائع العابرة طالما لم يرهم البطل، وفى اللقطات الواسعة نرى البطل كنقطة فى بحر لإبراز المأزق وليس لنطل على تفاصيل أخرى فى العالم أو زاوية مختلفة للحدث

ومثلما لا يفقد البحار العجوز الأمل فى النجاة ينجح الكاتب/المخرج عبر التفاصيل الصغيرة فى جعل المشاهد منتبها لكل لقطة ليس خوفا من ضياع جملة حوار أو حدث ما وإنما بسبب الانغماس فى الحالة النفسية للبطل وعبر لغة الصورة والإيقاع المحكم نجد أنفسنا بدون ملل وبدون انفعالات صاخبة ،وكأننا جميعا على نفس القارب فى المحيط وليس هذا وقت الفرح أو الحزن الخ من انفعالات ،كل ما علينا هو الصمود والمقاومة ،فى انتظار يد النجاة ،أيا كان مصدر تلك اليد ، ودون أن نفكر كثيرا إلى أين تسحبنا، المهم فقط هو الأمل!
***
نُشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 26 فبراير 2014

Jan 15, 2014

فيلم الجمال العظيم

فيلم الجمال العظيم

قصيدة فى وداع ما نحب

أشرف نصر

La Grande Bellezzaالعنوان الأصلي:
إخراج: باولو سورنتينو
إنتاج: إيطالي - فرنسي 2013   
منذ أول كادرات الفيلم والمخرج (الذي كتب قصة الفيلم) يضغط على أزرار حواسنا وينبنها أننا فى رحلة ، مفهوم الرحلة فى الفيلم يبدأ كرحلة مكانية ،نحن فى روما حيث تستعرض الكاميرا فى لقطات بانورامية لمعالمها الشهيرة ونرى وفدا سياحيا من اليابان ويطل أحد السياح على منظر مبهر شديد الجمال ولكنه يقع ميتا ، وببساطة ينتقل المخرج للقطات لحفلات نعرف أن نجمها بطل الفيلم
يبدو سقوط السائح الياباني كأنه لم يحتمل كل هذا الجمال وسقوطه يثير ابتسامة مختلطة بالمرارة ولكن موته يظل عابرا عاديا كما قدمه الفيلم فالمخرج يقدم المرشدة السياحية تهز الميت ثم يقطع المشهد منتقلا لحفلات البطل لننطلق فى  رحلة فى ذات البطل
 "جيب" كاتب وصل لسن الخامسة والستين ولديه الثراء والعلاقات الاجتماعية بكل من يمكن أن نطلق عليهم "كريمة المجتمع" وقاعه أيضا من راقصات التعري،شبكة علاقات تكونت عبر العمر الطويل ،، ولأنه كتب رواية تعتبر من أهم من الروايات ،ولكنها رواية يتيمة كأنها "بيضة الديك" التعبير الشهير عن حالة العجز عن إنتاج غيرها
ينسجم السيناريو والإخراج وتمثيل بارع لشخصية البطل فى تقديم حالة من التوازن المدهش حيث الأشياء المضحكة تمر ببساطة ابتسامة عابرة والمحزنة تمر ببكاء يبدو باردا دون ميلودراما
يصحبنا الكاتب فى حياته الغارقة فى حفلات وجنس وسكر ولكن كلها منزوعة الروح دون فرح ،دائما ما هناك ما يفتقده  
كأنه فقد روحه وروما فقدت روحها بل الحياة نفسها فقدت معناها
ليس علينا الحزن ولا الانهيار بل إن "جيب" يمر على الحياة بنفس الوجه الهادئ والبساطة
وكأنه توصل لسر المأساة/ الملهاة التي نعيشها
كما تعاملنا الحياة بلا قلب فهو أيضا يعاملها بنفس البرود ، لا يغضب ولا يثور فلا شيء يستحق !
البطل الذي يقيم حفلاته فى شرفة تطل على أحد معالم روما الرائعة يقضى وقته فى حفلاته مع أصدقائه ولا يدرك مفارقة أن من يسكن بجانبه أحد أهم المطلوبين فى العالم
لا تنتهي مفارقات الفيلم والتي دائما تثير ابتسامة صغيرة لا ضحكات عالية ودموع تلمع فى العين دون ميلودراما بنفس حالة التوازن النفسي الغريب الذي يعيش به البطل
ففي أحد المشاهد تجلس كاتبة تتباهي بعائلتها وبأنها أصدرت 11 رواية وأنها أم وزوجة ناجحة
يقوم البطل بتشريحها بنفس ابتسامته الهادئة ، الروايات صدرت عن دار نشر الحزب الذي تنتمي له ، والدراسات النقدية عن تلك الروايات كلها فى جريدة الحزب، وزوجها يخونها والجميع يعلم ذلك ، وكيف تكون أما ناجحة وهي خلفها عدد كبير من الخدم ولا تكاد ترى أطفالها لانشغالها الدائم
البطل يقوم بهذا التشريح الكفيل بتدمير أي إنسان نفسيا وهو يبتسم ويقول لها أنها محقة أن روايته ربما ليست رائعة كما يمتدحها الجميع وأنه عاجز عن كتابة غيرها
فهي مثله ومثل الجميع فى نفس حصار عدم الجدوى، وتفاهة ما يسمى "النجاح" بمفاهيم الأسرة والمال والفن وكل ما تتعالي به الكاتبة على أصدقائها
حتى الدين يقدم شخصيات رجال الدين بسخرية لا عبر السخرية منهم بالكلمات ولكن من كونهم مساكين كبشر مساكين – يستحقون الرثاء لا التفخيم- يتحدث أحدهم عن الفقراء طول الوقت وهو يركب سيارة فارهة وتأتي راهبة يعاملها الجميع كقديسة بينما لا تكاد تقدر على الوقوف ولا الجلوس وكأنها كتلة عظام ستنهار فجأة ، ليس فى الفيلم سخرية من الدين نفسه ففى أحد المشاهد المبهرة تقوم الراهبة فيما يشبه مفهوم "الكرامات" بنفخة صغيرة من فمها فتطير الطيور المهاجرة التي كانت قد حطت فى الصباح على شرفة الكاتب ،
يصل الكاتب لمفاهيم كثيرة عن ذاته وعن عالمه/عالمنا ، أن الحياة مجرد خدعة كما يخبره ساحر صديق ، وفى نهاية رحلته التي عرف خلالها أن الأمر مجرد خدعة عابرة لا تستحق التكالب ولا تستحق الحزن
يعود المخرج لنفس اللقطات كأنه يودع روما الجنس والفرح والصخب (وكل ما يمكن أن نطلق عليه عالم روما فيلليني) للقطات لمعالم سياحية يأتي الناس للالتقاط الصور بها ! بلقطات حيادية كأنه يودع فيلمه وعالمه بابتسامة أسى لا أكثر !
***
نُشر المقال بمجلة أبيض وأسود
العدد 25(يناير 2014)
 

Nov 28, 2013

فيلم الرب وحده يغفر




الرب وحده يغفر
"وحشية العالم أو عالم الفيلم الوحشي"

أشرف نصر
Only God Forgives اسم الفيلم:
تأليف وإخراج: نيكولاس ويندينج ريفن
قطع الدومينو:
الحدوتة كقطع الدومينو المتراصة بشكل معين تسقط إحداها فيتوالي سقوط القطع بشكل تلقائي متتابع، "بيلي وجوليان شقيقان أمريكيان يديران ناديا لمراهنات لعبة ملاكمة الأقدام فى تايلاند، بيلي يغتصب فتاة عمرها 16 عام ويقتلها، يحضر ضابط كبير (لا يشير الفيلم لمنصبه) ويأمر الضابط والد القتيلة بالثأر بيديه لابنته فيقوم الأب بقتل بيلي، وهنا يكون على جوليان الثأر لشقيقه ،ويزداد الضغط بحضور الأم التي تبدو كرأس لعالم الشقيقين فهي صاحبة المال ومن تجلب الهيروين لتايلاند ومدبرة جرائم الثأر الدموية"
هذا مدخل الحكاية فالكل هنا يقوم بالقتل بدم بارد والشرطة لها منطقها المختلف عن المعتاد فهم يقتلون ويمثلون بجثث المجرمين بما يرونه العقاب الواجب والطبيعي.
غياب المشاعر ظاهريا:
فى عالم الغاب الذي يقدمه الفيلم بدون أي ميلودراما كان من الطبيعي غياب الحوارات الطويلة بين الشخصيات، فالحوارات هي أوامر وإيماءات فقط بالرأس للموافقة ،فالكل متناغم مع عالم الفيلم يعلم أن الثأرات المتوالية أمرا بديهيا.
وأما الاستثناء الوحيد فهو مشهد المائدة بين الأم القاسية الباردة وابنها جوليان وقد احضر فتاة من الملهي الليلي لتدعي أمامها أنها صديقته
هذا المشهد يعد أحد مشاهد "الماستر سين" فالأم تظهر الدموع فى عينيها وهي تتهم جوليان بالغيرة من شقيقه الأكبر والتخاذل فى الأخذ بثأره ثم سرعان ما تتمالك نفسها ،وفى طيات المشهد عشرات التفاصيل والمشاعر التى تطفو من تحت الجلد
فبين السطور إشارات لصراع "أوديبي" بين الشقيقين على الأم ،وإشارة لانسحاق  جوليان أمام أمه،وحين تسأله فتاة الملهي بغضب لماذا يرضى بتلك المعاملة من أمه،يمسك جوليان بعنق الفتاة مبررا ببساطة لأنها أمه،،وفى نفس مشهد المائدة نرى الجمود الظاهري على وجه جوليان بينما يبدو كأنه بركان يغلي من المشاعر المتناقضة.
الكاتب/المخرج:
 يدفع المخرج/الكاتب ممثليه لتقديم المشاعر من تحت الجلد عبر الجمود الظاهري لملامح الوجه وهزات الرأس الصغيرة ونظرات العيون وحركة الأيدي وحركة للكاميرا تظهر الحياد الظاهري بينما تورطك أكثر وتحاصرك فى عدة أماكن محدودة من الملهي للفندق لبيت الضابط فقط والليل هو المسيطر والظلال يتم استخدامها بكثرة عبر المصابيح ونور الشبابيك الضعيف الذي يكشف ولا يفضح،
فمثلا نرى فى شخصية الضابط التايلندي الكبير، نرى حركة رصينة فى المشي منتصب القامة يمشي بحركة هادئة وحتى وهو فى طريقه لقتل مجرم أو فقأ عينيه.
لا تندهش ! فالضابط يعذب المجرمين بهدوء قاتل ، وبنفس الهدوء يذهب لملاعبة طفلته بحنان أيضا هادئ دون مشاعر جياشة، وفى مشاهد شديدة الدلالة يقوم الضابط بالغناء لرجال الشرطة وهو يقف رصينا وكأن الغناء هنا هو نشيد وطني لا يقدم للمتعة ،فلا مجال للمتعة فى هذا العالم،، وإنما الغناء يبدو كتذكير لضباط الشرطة بضرورة تطهير العالم وتخليصه من مجرميه وأيضا دون إدعاء بطولة بل كواجب طبيعي عليهم.
فالشرطي مثلا عندما يأمر الرجل التايلندي للثأر لابنته من بيلي ،وعندما ينفذ الأب ذلك،يسأله الشرطي لما سمح لابنته الصغيرة بالدعارة يتوسل الأب بحجة فقره وإنجابه لعدة بنات، فيقوم الشرطي بقطع ذراع الأب كي يحافظ على بناته الأخريات،
هذا هو قانون عالم الفيلم ،لا تجعل أي قوانين تعرفها أو أخلاقيات خارج الفيلم تجعلك فى صدمة مما يحدث، فقد عقد الفيلم معك اتفاقا عزيزي المشاهد: الرب وحده يغفر
لذلك ومن أول نقطة دم ستتوالي الدماء والمشاهد القاسية /المنطقية فى الفيلم. 
لعنة الأيدي/لعنة أوديب:
جوليان يقوم بالنظر ليديه دائما وهو يقبضها كالملاكمين كأنه يختبر قوته وعزيمته ، وعندما تتوسل له الأم أن يحميها من الضابط يلعب مباراة مع الشرطي فيهزمه الشرطي شر هزيمة ،
وعندما يقتل الشرطي الأم ،ما يكون من جوليان سوى التمثيل بجثة أمه فيشق معدتها بسيفه ثم يمد أصابعه داخل معدتها،،كأنه بتلك اليد يحاول فهم سر اللعنة التي جاءت من هذا الرحم!
الفيلم مختلف/صادم/رائع والأهم هو تقديمه نموذجا رائعا للقراءات المختلفة عبر التفكير عما لا يقال وما يدور تحت السطح من عُقد وكوراث فنحن يمكننا أيضا قراءة الفيلم عبر الصراع الغربي الأسيوي حيث الصدام قادم لا محالة وهزيمة الغرب ستكون مروعة كما جرى لجوليان وعائلته!
***
نُشر المقال بمجلة : أبيض وأسود 
العدد 24 (نوفمبر-ديسمبر 2013)

Nov 2, 2013

فيلم حنا آرنت



فيلم حنا آرنت
فكروا يا بشر
يقتنص الفيلم الذورة فى حياة الشخصية التي يتعرض لها ،فهو ليس فيلما من أفلام السيرة الذاتية سيتعرض لحياة الشخصية منذ الميلاد حتى الوفاة ،بل هو يركز على موقف الشخصية من واحدة من أهم أزماتها والتي يمكن من خلالها الإمساك بلب الشخصية وموقفها من العالم ،
الفيلم بدأ بمشهد لاختطاف الموساد الإسرائيلي ل"ادولف ايخمان" احد ضباط النظام النازي وذلك من مخبأة فى الأرجنتين حيث فر وعاش هناك متخفيا، يتم الاختطاف والنقل إلى إسرائيل لمحاكمته هناك ،
هنا تقرر الفيلسوفة الألمانية السفر لحضور المحاكمة ، علينا ملاحظة الوضع المركب للقضية ، ايخمان ألماني تم اختطافه ولم تطالب ألمانيا بطلب استرداده أو محاكمته على أرضها ،وهي ملاحظة ذكرتها بذكاء حنا ارنت فى جلستها وهي تشاهد الخبر
أيضا حنا تطلب السفر وتنوى الكتابة عن القصية لمجلة نيويوركر الأمريكية رغم قلق محبيها (زوجها وأصدقائها) من تداعيات استعادة المأساة مرة أخرى
فحنا يهودية فرت من معسكرات النازي بمعجزة ولم تلق حتفها واستعادة ذلك عبر المحاكمة ربما يكون مدمرا
الأصعب على الإطلاق هو استعادة تجربتها مع أستاذها الفيلسوف هايدجر الذي عشقته وعاشت معه ثم صدمها بتأييده للنظام النازي فى برقية كعميد للكلية دون أن يبرر موقفه فيما بعد سوى بأنه لا يفهم فى السياسة
لا نرغب فى الاسترسال فى حكي أحداث الفيلم لكن المهم هو ذروة الفيلم حيث تخالف حنا جميع من حولها عند العودة والكتابة عن المحاكمة
تصدم حنا الجميع حين تعلن أن النازي ايخمان ليس مجسدا للشر المحض بل هو شخص مثير للسخرية (انه مجرد شخص يعاني الأنفلونزا فى بداية المحاكمة) هادئ لا يشغله سوى أوراق القضية وشرح موقفه الوظيفي
هنا تحطم حنا أسطورة أن ايخمان قاتل يتلذذ بقتل اليهود وتعذيبهم فهو كما تحلله مجرد موظف روتيني لأقصى درجة لا يشغله سوى أداء عمله
الانشغال بالحقيقة يجعل حنا تقوم بتحليلها بعيدا عن تمنياتها الشخصية فهي لا يعنيها إعدام ايخمان ولم تحزن ولا فرحت حين حدث ذلك
إنما هي تحلل الموقف بشكل عقلاني ومنطقي وفلسفي يليق بمؤلفة الكتاب الهام "جذور النظام الشمولي"
هذا النظام الشمولي هي ما يشغلها فهو ما يحول مجرد شخص تافه مثل ايخمان ليتحول لأداة قتل وتعذيب لبشر مثله
بل أنها تحلل كيف أن ايخمان ليس معاديا للسامية بل للبشرية بمعني أنه اليهود بحكم أنهم بشر والفاعل كان سيفعل نفس الأمر مع غيرهم لو أمره هتلر بذلك واقتضت الوظيفة لكرر جرائمه مع البشر جميعا
أما ما فتح أبواب الجحيم ضدها واتهامها بأنها خانت قومها هو إشارتها لتعاون قادة اليهود مع هتلر فى جرائمه فهي تطرح سؤالا هاما هل لو لم يتعاون قادة اليهود هل كان عدد الضحايا سيقل
حنا آرنت يشغلها الحقيقة ولا شيء غيرها حتى لو قاطعها أعز الأصدقاء (إسرائيلي) مما يؤلمها جدا فهي ترى أنها لا تحب شعبا لا اليهودي ولا الألماني ولا الأمريكي ولا أي شعب ،هي تحب الأصدقاء فقط ،هي تحبهم كبشر اختارتهم واختاروها فى الحياة
لذا يظل هاجس وشبح هايدجر وموقفه جاثما على صدرها للأبد
الفيلم الذي أخرجته وشاركت فى كتابته
Margarethe von Trotta
يخلص لموضوعه فى كل شيء الأماكن محدودة والفلاش باك لا يعود إلا إلى لهايدجر ومواقفه والأهم لا يعود لمرحلة هروب حنا أو حياتها فى معسكرات النازي
فهو يخاطب العقل لا يرغب الفيلم فى التأثير العاطفي على مشاهده بل يرغب فى تحريضه على إعمال العقل ،،حتى علاقة حنا بزوجها وهي قصة حب لكنها هادئة فى تفاصيل بسيطة لا تبتز مشاعر المشاهد ولا تشتته عن قضية الفيلم
وحتى فى لقاء عاطفي بين هايدجر وحنا فقط نرى حنا فى انتظار أستاذها/بطلها وحين يحضر فقط يجثو على ركبته ويدفن رأسه محتضنا معدتها
الفيلم يثير الأسئلة ويخاطب مشاهد مستعد للتفكير لا الاستسلام والتلقي بسلبية يختتم بمحاضرة حنا فى الجامعة مع طلابها فقد رفضت الدفاع عن نفسها أمام مهرجي الإعلام بل ما يشغلها حض طلابها على التفكير والبحث عن الحقيقة تماما كما يحث الفيلم مشاهديه على البحث والسؤال والمواجهة ما كانت التجارب الشخصية ومهما تصادم موقف الفرد مع موقف الجماعة/القبيلة/المجتمع/الصورة الشائعة/المؤسسات!
أشرف نصر
1-11-2013