Apr 9, 2015

4 ذكريات فى بروجرام واحد

 
عيل كالعيال، ركب القطار وذهب للمدينة، القروش قليلة لكن محسوبة بدقة، سيدخل مع الأولاد "السيما"، ويأكل طبقا من كشري سعيد أو ساندوييتشين كبدة وطبق مكرونة من كات كوت كما تقول "يافطة المحل"، وينطقها ككل الناس كتكوت، تلك التفاصيل سمعها من قبل من شقيقه وأصحابه، وربما من كل الكبار، رحلة العيل كانت مميزة كالعيد، ليس لأنها كانت فعلا فى العيد، بل لأنه مرته الأولى، ذهبوا لسيما عبد الحميد، دفعوا قروش التذاكر،،وقيل لهم ان الحفلة  4 افلام وان اول فيلم اسمه العبقري 5،، "استعيلهم" العامل وخدعهم وبدلا من اجلاسهم على الكراسي أجلسهم على الأرض، وكانت أجمل خدعة حدثت في حياة العيل اياه، هو على الأرض أسفل الشاشة الكبيرة التي صارت مهولة فى حجمها، وكانت أول لقطة سينما يراها فى حياته، زاوية الكاميرا فى اللقطة ومكان جلوس العيل وملامح علي الشريف المخيفة جعلته عملاقا، وزادته هيبة فوق هيبته وهو يدخل بالنبوت محطما أحد المخازن، فشهق العيل و"ندهته النداهة".
 2
 فى  ذلك الزمن الذي يبدو الآن كعصر بدائي، قبل الفضائيات والانترنت وقبل كل شيء تقريبا، كان من المستحيل حدوث معجزة عرض فيلم انتاج نفس السنة فى سيما عبد الحميد او سيما الفيوم،والاكثر استحالة أن يكون من أفلام مهرجان القاهرة،لكن الولد الذي اعتاد "التزويغ" من المدرسة وجد المستحيل يتحقق، فى نفس توقيت نزول فيلم " ناجي العلي" ،، عرض بسيما عبد الحميد، ربما بسبب حملة الكراهية الفاشية  التي شنت ضد الفيلم من دولة مبارك، وربما لاسباب تجارية بحته، المهم.فجأة اختفى عالم بروسلي وجاكي شان وجميلات الافلام التركية بالبكيني، وتبخرت ضحكات افلام الازواج والزوجات المصرية المتشابهة ، وجد الولد نفسه أمام فلسطين  التى يسمع عنها فى نشرات الأخبار ودعاء الجمعة ، تجسدت اخيرا أمامه بعد الغموض والأساطير، عرف ناجي الذي قتل برصاص العدو، وربما برصاص من تبول علي حدائقهم المصطنعة فى الحفل ساخرا من نضالهم المزعوم، ويقول بمرارة (الكلب اللي ينزع شجرة من ارضها ، كيف بدو يحرر بلد ) ، كأنه يرى ممثلا مختلفا عن نور الشريف الذي يعرفه فى نوعيات حبيب مهجتي والقطة الشقية واوعى تبوسني لتكهربني التي اعتادها هنا ،،ومحمود الجندي فى اروع دور له ، المصري الذي ادمن الخمر والذي ينتظر الجيوش العربية ، وطبعا لا تأتي،، كان الفيلم ك"صدمة وعي" علمته انه الافلام ليست  للتسلية فقط!
 3
  زمن كانت النجومية لممثلات من ذوات الوزن الثقيل، حجما لا تمثيلا، من سهير رمزي لهياتم لاسمها ايه صدقي! الخ الخ ، حتى بدت ناهد شريف وشمس الباردوي مسكينتين لا تجدان من يطعمهما غذاء النجمات! أدمن الولد قضاء ليالي الشتاء فى سيما الفيوم الاكثر دفئا من عبد الحميد، و طبعا قد تعلم حيل الاختفاء عن الاهل والاصحاب، واختلاق الحكايات الكاذبة كمبرر لغيابه،،وفى سيما الفيوم كان الجلوس بأعلى ليكشف السيما، فما يحدث بين المشاهدين وقليل من المشاهدات، كان اكثر متعة احيانا من فيلم سمج كفيلم قضية سميحة بدران، واهتم المراهق بعدها بنصيحة اصحابه ممن لم يشاهدوه بحضوره بسبب لقطة لهياتم تجعلم يحتملون عذاب نبيلة عبيد ، كل شيء كان طبيعيا ليلتها سوى سؤال غريب من احد الجالسين، عن مكان ليصلي فيه،،وتبريره المتكرر انه اضطر للمبيت فى المحافظة هنا ، ولم يحضر لنفس اسباب المراهق  لرؤية اجساد الممثلات، ولا للتصلص على عبث المتفرج هذا او ذاك بجسد صاحبته،،نال المصلي سخرية لا تنتهي بعدها من الولد كلما حكى الحكاية، وكلما رأى نظرات الاستنكار فى عيون من يحكي لهم بسبب حساسية الدين، لم يهتم،فقد اعتاد التكفير على اقل من ذلك، ولم يعد يمكن ابتزازه بهذا  السلاح، وظل يحضر للسينمات عامدا وليس مضطرا،كذلك الغريب ، حتى بعد سنوات الوعي بالفرق بين الأفلام وتعبئة الشرائط ،  ظل يحن لجو السيما "بعبلها" ! فيشاهد -على الكمبيوتر - افلاما ومشاهد اضعف حتى من قضية بنت بدران، لكنه يحرص أن تكون كوميدية،خاصة وأنه حينها يعاني نقص الأوكسجين فى الحياة!
 4
 صاحبنا الذي أدمن السيما اصيب بالتخمة من كثرة ما "هرس" من افلام امريكية وهندية وتركية ومصرية فصار يحضر بحكم التعود، ومرة جلس مستعدا لممثلة الوزن الثقيل ليلى علوى ومعها ممثل لم يكن مشهورا وقتها، لكنه بدا لصاحبنا المراهق "ابن لذين "فى التقبيل والاحضان وممارسة الجنس،تبين بعدها ان الممثل اسمه محمود حميدة، والفيلم اسمه انذار بالطاعة، كانت بداية لليلة سعيدة للمراهق، وكل شيء يسير فى مساره الطبيعي كسهرة سيما تنتعش بها الهرمونات،
 لكن فجأة بدأ المراهق يميل قلبه مع صوت الراديو فى خلفية الحوارات، وصورة الشارع، وطريقة المخرج بحركة الكاميرا بألفة غريبة ، وصدق وواقعية تشبه الحياة لكنها اجمل،، رغم مرارة احداث الفيلم ،ويعود عقله للتفكير وهو يرى شابين سرقا بسبب الفقر، ودخلا السجن فتغيرا تماما، وصارت اللحية عندهما اطول من احدهما- احمد ادم،-، وفكر صاحبنا فى بلدته الصغيرة التي تئن بين مطرقة الحكومات الفاسدة وسندان تجار الدين،
 لكن المشهد المرعب بالنسبة لصاحبنا، حين علم البطل بفرح حبيبته وخطبتها لغيره، دخل العاشق لينام دون كلمة واحدة، وهو على السرير والكاميرا تدخل الغرفة بهدوء ثم تركز على رأسه، وفجأة خيط دم ينزل من خلف الأذن على السرير، وقد انفجر شريان فى الرأس، من غضبه المكتوم وحزنه، وقف شعر رأس صاحبنا لحظتها ،ونالته من لحظتها لعنة "الشرود/ السرحان" حين يحدثه أحد،،متخيلا لحظة دخول أمه لتوقظه فتجده كالبطل الغارق فى دمه ،،
ثم شهد فى الجزء الأخير من الفيلم ،ما جعل قلبه  يكبر قبل الأوان بأوان، وعرفت الدموع طريقها لخده،ربما للمرة الأولى ، ربما،
ذلك حين اخذ الاب ابنته ومشيا كصديقين فى صباح باكر ، جعله المخرج من اجمل وارق تصوير الصباح وربما اجمل من الصباح فى الواقع،  الأب -سيد عزمي - هنا ممزق بين ابوته ورجولته حين علم ان ابنته مارست الجنس مع حبيبها، وفى كفة اخرى محبة الأب لابنته ولوعته لأنه مطالب بإيذاءها،، كانت لحظات فارقة ، ووداع لعبل السيما ودخوله لملكوت السينما،   ،بعدها "بخ"تبخر العالم القديم، وكبر العيل/المراهق، دار ولف فى دوائر كثيرة،، وصار من عادته النقد والمراجعة والشك فى كل ما أحب ،
لكن اليقين انه "من يومها "خرج  لكل الدوائر
 وفى القلب مدينة لها دروب وشوارع ،كتب عليها:  عاطف الطيب!

Apr 3, 2015

الطوق والاسورة ..النار هي الاصل !



الطوق والاسورة
النار هي الاصل !
أشرف نصر

لم يذهب خيري بشارة إلى قرية الكرنك بالأقصر، حاملا الكاميرا ليصور، بل ذهب فاتحا نوافذ القلب أولا ليحس قبل أن" يعبر " ومرتشفا كالنحل بعقله وعيونه "ليجسد" مستخلصا عصارة القرية،وناسها، فى تجربة كهذه يشعرك المخرج بحرارة الشمس وصهد القيالة وراحة الطوب اللبن فى البيوت، غبار  الشارع ووحشته وحنان نسيم الأمسيات العابر على شخوص مهما قست الحياة عليهم ، يريدون الحق الأول بين كل الحقوق، حق الحياة،
،،فى البدء كانت الكلمة ، والشرارة من نص أدبي كتبه البديع يحيى الطاهر عبد الله، "الطاهر "يحيى "هذا هب على العالم كعاصفة حلوة حاملا  شفاهية الأهل فى مواجهة تقاليد الكتابية المنقولة من الغرب فى فن السرد، قصة ورواية ، حاملا تراثا لا ينضب من الحكايات جمعه من تراث الأجداد العرب فى  ألف ليلة وليلة وغيرها ممزوجا بحكايات الجدات من الصعيد، ورفاق الدرب ممن تصعلك معهم فى دروب العاصمة،،جمع كل هذا وغزله وحكاه شفاهه لمعاصريه على المقاهي وكتابة لنا تحمل عنفوان وتدفق تلك الشفاهية، فأجمل لحظات القراءة لنصوصه تأتي ونحن نتلوها بصوت مرتفع ! كتب المخرج النص السينمائي بمشاركة يحيى عزمي، وعبد الرحمن الأبنودي ، والأول أستاذ أكاديمي كبير بأكاديمية الفنون استفاد منه خاصة طلاب السيناريو والإخراج، والثاني أحد أساتذة الشعر العامي وايضا رفيق درب ليحيى الطاهر فى رحلته السريعة زمنيا /الطويلة أثرا وتأثيرا. ،جاءت الكتابة من الأربعة  الأديب ، المخرج، السيناريست، والشاعر عن شخوص قرية الكرنك وجسدها : شريهان وفردوس عبد الحميد  وعزت العلايلي وأحمد عبد العزيز وعبد الله محمود ومحمد منير ، 
لن نكون أمام  علاقة تعلي من عنصر  الزمن وتجعله حاكما للمكان كالمومياء مثلا، بل أمام علاقة المكان بالشخصيات ، وأثر المكان الثقيل الوطء على تلك الشخصيات حتى أن الزمن يبهت ولا يصبح إلا أرقاما تتوالى ، والمأساة مستمرة ولو فى تكرار لشخوص آخرين ، يحفرون جدراية من لحم ودم لبشر نسيتهم الدولة والعالم وتحت رحي الظروف يكابدون رعب احتمال نسيان السماء لهم ولمأساتهم..هنا حزينة وبخيت البشاري ونسلهم وجيرانهم البؤساء مورس عليهم قهر العادات والقيود المجتمعية وفى سلسة القهر المستمر يمارسونه حتى على أنفسهم، كل ذلك بفعل قوى وقيود غير مرئية كأنه صراع الانسان ضد القدر فى تراجيديا يونانية نبيلة ومؤلمة، اخطر  واقسى انواع الصراع هو ما يكون ضد قوى مجردة وأفكار وعادات وتقاليد تكبل الجسد وتقتل الروح الراغبة فى الحرية،
، يبدأ  بشارة رحلته/رحلتنا مع كادر ثابت لطيور  على سطح النيل ومع موسيقى بالطابع الجنائزي قدمها انتصار عبد الفتاح، ندخل لغناء أو دندنة الجميلة فهيمة بنت حزينة وبخيت البشاري ، فهيمة شابة ، واقعة بين أم هي كتلة من الحزن كإسمها، وأب كتلة من العجز واللسان اللاذع، فى الفيلم ستجد الذكور تنويعات من العجز  ، من بخيت البشاري العاجز بالشلل لزوج فهيمة الحداد العاجز جنسيا، حتى البطل والمخلص كما ظنوا ونعنى مصطفى عاجز بالفقر،، وفى ألعاب التعويض النفسي يمارس الأب بخيت السخرية وابنه مصطفى بال"الفشر/المبالغات"عن بطولاته فى الغربة ، واعنفهم الحداد يضرب فهيمة ، يطلقها، ثم يحرق زوجته الجديدة، فى مقابل العنف الذكوري سنجد الأناث يحاولن الحياة والبحث عن الخصوبة، فلسن جميعا كحزينة الراضية بألألم، الكئيبة التي لا تجيد الفرح،،ففهيمة تحب زوجها الحداد، وحاولت تضميد جراحه بالحب ، وارتضت بالذهاب للمعبد "للتلقيح"من غيره، ارضاء لمجتمعها، ورغم كل محاولاتها طلقت وظلمت، وماتت بحمى النفاس وقد وقع الفقر والجهل وثيقة الموت بيد المعالج الجاهل،،
واذا كان رجال الفيلم من حجارة كحجارة حضارة غربت ، وتقاليد قبلية عربية تكره الحياة وتبحث عن العنف وتبرر القتل تحت مسمى الشرف لكن خصوبة النساء كخصوبة الأرض فتنجب كما يهلل الأطفال فى دروب القرية:فهيمة بنت حزينة جابت بنت، اسمتها -فى مفارقة - فرحة أو فرحانة التى تكمل الدائرة لنقطة البداية من جديد، وتدفع الثمن حياتها على يد ذكر آخر يطمع فيه كزوجة له ، وحين يفقدها يتعلل بالشرف ليقتلها، متباهيا كفارس، حقق ما تمليه "الرجولة" كل تلك المفاهيم "النسوية/الأنثوية  "تأتي هنا كهمس لا كصراخ، كوجع لا كتناطح، تتسلل دائما بين الكادرات والمشاهد والأحداث،، لأن الأساس بدأ من فكرة أنهم بشر لهم حياتهم وأوجاعهم، وليسوا بضاعة أو سلعة أو فئران تجارب لآخر يتعالى عليهم بمفاهيم غربية ،،بل يتوجع الفيلم معهم بشكل انساني وكلمات وأفكار انسانية يطرحها محمد أفندي المتعلم الوحيد، بشكل حديث بعيدا عن تعليم الكتاتيب وخلافه،
 ففى واحد من أجمل المشاهد -والحقيقة أن اختيار الأجمل أمر صعب فى سبيكة الجمال هنا- للحداد "أحمد عبد العزيز" العرق ينضح على جسده، وزوجته فهيمة تحاوره ربما النار هي سر العجز فيدافع عن نفسه ، لولا النار ما كان الانسان ، فتحاول مرة اخيرة افهامه فلولا النار ما كان ابليس وليس الانسان، ويختتم المشهد بالحداد يطلق الرصاص على الكلب..باحثة عن الحب تواجه باحث عن قوة، وهو عنين يعوض فعلته بعنف وقسوة على كائن اضعف، والحقيقة المؤلمة للذكورة والأنوثة معا وبفعل القيود والأساور التي تكبل الجميع أن النار ظلت الأصل فعلا، فقد انهى الحداد بها حياته وزوجته الجديدة رغم رضاء المحتمع عن الزيجة، لكن وحده يعلم بخيانتها له فى البر الغربي، أو يظن أنها لابد فاعلة ذلك طالما لم يقهرها الحب وخيبة الأمل في عجزه، وبقائها على حبها للحياة ! 
المخرج هنا بمنطق البشر لا يبحث عن شكل "استشراقي"فى الأفراح أو زيارة الأضرحة أو غيره من طقوس شعبية فهو روح أبطاله،، لا يشغله "ابهار"عين متلقيه بل مخاطبة عقله وروحه بما يشغل أبطاله فى طقوسهم هذه،، فى الفرح يدلنا بإشارة صغيرة لهزة رأس محمد أفندى المتأسية على أحوال البلد،،ففرح فهيمة لم يكن لوجه الله ، بل ضمن صفقة بين التاجر والحاكم هنا وهو العمدة بمباركة رجل الدين الشيخ هارون لافتتاح طاحونة بالبلد،،المثلث المشترك والرشوة المدفوعة وفرح بنت حزينة كلها خطوط تتلاقى فى المشهد و"كادر"محمد أفندي المتألم لبلده وأحوالها،،نفس الطاحونة التي ستشهد  مأساة فرحة فيما بعد. تماما كما هي عودة "مغاوير"حرب 48 ومحمد أفندى يلقى الشعر الحماسي الدعائي ، ولا أحد يهتم، بل هناك من فقدت ابنها -عبد الحكم رفيق مصطفى فى الغربة -ثم بعد عودة مصطفى نفسه سنجد أن بطولاته أقرب لأفعال اللصوص، لكن الناس هي التي تقرر فيما بعد من تصنفه بطلا مقاوما للانجليز والاستعمار، ومن تصنفه لصا، كحال كتابة التاريخ، حسب زاوية الرؤية والمصالح! 
حالة التركيز الخالصة التى عاشها ونقلها لنا المخرج، تجعل هزة رأس محمد أفندي مجرد واحدة من العديد من التفاصيل البصرية التي تغني عن الحوار وتصرح بالمشاعر وتخبرنا عما بين السطور، فقبلها هزة رأس بأسى أيضا يفعلها بخيت البشاري، حين يداعب ابنته أن تعزل الدجاجة المريضة عن غيرها، وحين تستعيذ الابنة من الشر عنه، يأسى هو بحق، فهو أعلم الناس بأن الشر قد وقع،، وفى فلاش باك يتكرر نرى فهيمة طفلة وشقيقها مصطفى الطفل يدخن مقلدا الرجال ، فكأننا نلمح مع خصوصية علاقتهما ،،بدايات مصائر ودوائر أدوارهم الحياتية،وأبدع تلك التفاصيل هو تفصيلة علامة الأنوثة تظهر كبقعة على ثوب فرحة وهي تجري بطفولة ولأن الشاب المراهق رآها يساعدها على الوقوف وهي تداري ثوبها، لكن فات الأوان فقد حق عليهما قانون الطبيعة فى العلاقة، والتي لم نعد حتى بحاجة لرؤيتها بعد تلك الإشارة ، حتى الأشواق المكبوتة فى صدور شخوصنا نحسها ببلاغة بصرية وبأقل الجمل والمشاهد،،مثل فهيمة التي تكتحل قبل ذهابها لتسلم عبد الحكم صديق شقيقها زيارة لشقيقها، يسلم عليها بحرارة الشوق المتبادل،
 اختتم ، بمشهد جاء فى منتصف الفيلم ، حكاية ليست بالعابرة أبدا، يبدأ المشهد ببروفيل لوجه فهيمة بعيينها الجميلتين مكحولتين، كأننا أمام وجه نفرتيتي، ثم نجدها كشهرزاد تحكي للحداد حكاية من الحكايات، وفى الحكاية بائع كلام، كل كلمة تنجي بطل الحكاية من الموت، الكلمات كانت الأولى:حبيبك اللي تحبه ولو كان عبد نوبي،،والثانية :ساعة الحظ متتعوضش،، والثالثة:من آمنك لم تخونه ولو كنت خاين..، أمثال من قلب التراث الشعبي، لو بحثت في حكاية الفيلم وفتحت العلب الصغيرة المتتالية داخل العلبة الأكبر ستجدها مفاتيح  حياة شخوص بيت البشاري الذي دخلناه فى الفيلم، وخرجنا منه نحلم بنفس كادر البداية والنهاية ، طيور تحلق بعيدا عن تلك القيود ، والنار  المحرقة !
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 38 فبراير 2015

Feb 25, 2015

عذرا


عذرا، لن اخرج هذا الصباح
 ليس لمرض،
فصحتي كالحصان،
 اسرعوا بلمس الخشب
ولا لكسل، لا سمح الله
 بل لأن  الله سمح
أن تتسخ ابتسامتي
ولم اشتر بعد
مجفف الابتسامات
عذرا اني فقير
اهئ، اهئ 
الى اخر اصوات النهنهة
لا ، لا تخافوا
لا اريد الاقتراض
 لكن كل ثروتي
تلك الابتسامة المعلقة على الحبل
 وقلب صغير
 رغم كل مرات الكسر
ينبض بوم، بو،
_ __
ها قد غاب النبض
ولا حاجة لخروج أو دخول
  فما أكرمك، يا الله
اراحني، واراحكم
 من القلب الروبابيكيا
وسترثون
الابتسامة،
 فلا تبددوها !

25-2-2015

Feb 13, 2015

فيلم حب إلى الأبد


فيلم حب إلى الأبد..
 حب وتضيحة ومواعظ !
 أشرف نصر

شاب يقوم بدوره الفنان أحمد رمزي يضرب رجلا ضربة قوية، يقع الرجل فتصرخ شابة تقوم بدورها
الفنانة نادية لطفي، هذا هو مشهد ما قبل التترات ومع نزول تترات فيلم "حب إلى الأبد" تكون التخمينات قد سارت فى طريق الفيلم البوليسي وتكنيك التشويق،خاصة والتترات تنزل والبطل "أحمد رمزي" يهرول فى شوارع القاهرة ويتوقف لحظات أمام دار القضاء العالي،لكن التخمينات لن تكون صحيحة مع النوع الفيلمي فالفيلم لا بوليسي ولا يسعى لتشويق المتلقي،الفيلم دراما اجتماعية لها صيغة ميلودراما الأربعينات العاطفية الشهيرة فى السينما المصرية حول الثري الشاب النقي وحبه لفتاة دفعتها الظروف للعمل فى الكباريهات!مع مواجهة ضرورية مع الباشا والذي استبدل هنا بالأخ الأكبر المحامي الشهير،وطبعا فى النهاية موعظة أخلاقية !كل ما ينقصه عن ميلودراما الأربعينات تلك هو الأغاني التي يؤديها مطرب شهير أو مطربة محبوبة! فالفيلم الذي كتب له السيناريو:وجيه نجيب،والحوار: محمد أبو يوسف،وأخرجه يوسف شاهين ! سنجد  الشاب "أشرف – أحمد رمزي" القاتل مثقل بالاحساس بالذنب، حتى يصل لشقيقه "محمود-محمود المليجي" الشقيق الأكبر المحامي الشهير والمرشح للبرلمان، من الطبيعي أن يشعر محمود بالعار والخوف على مكانته مما فعله الطائش "أشرف" من جريمة ستدمر مستقبله، ويسير الفيلم بين قصة القتل وأسبابها ونتائجها وبين محاولات "محمود" لحماية نفسه بل وتدمير من يقف فى طريق مستقبله السياسي ولو كان على حساب سعادة وحياة شقيقه. وحسب المفاهيم التقليدية سر الحكاية عند المرأة التي ظهرت بجانب أشرف عند الجريمة، فتش عن المرأة كما تقول المقولة الفرنسية، لقد تخلص أشرف من زوج السيدة لأنه يحبها، الأمر هنا أمام مثلث الزوج والزوجة والعشيق، عبر تنويعة أن الزوج هنا مجرم هو من دفع الشابة للانحلال الأخلاقي و"رد سجون" بينما هي نقية لم يدفعها سوى الظروف للكباريهات بعد أن كانت تعمل فى شركة محترمة ! فيلم "حب إلى الأبد" فيلم أبيض وأسود ليس لأنه كذلك فعليا لظروف التكنولوجيا، حيث لم تكن السينما قد وصلت لإختراع الألوان، فالفيلم إنتاج 1959، لكن المقصود أنه أبيض وأسود فى كل شيء، شديد الوضوح فى ملائكية أشرف وشيطانية محمود، حتى الشخصية التي تتعرض لانتقالات عنيفة وهي شخصية آمال ،لم يتوقف عندها الفيلم كثيرا أو يحاول تحليلها خاصة ونحن نراها أكثر الشخصيات التي من المفترض أنها تعرضت لتغيرات من زوجة لحبيبة ومن موظفة لفتاة كباريهات ومن حبيبة للوصول لاعترافها أمام البوليس لتخليص محبوبها ثم انتحارها..لكن الفيلم يركز أكثر على الشقيقين أشرف ومحمود وهي مجرد مكمل للحكاية مثل شخصية نادية جارتهما فى الريف (يريد محمود الزواج منها وهي تحب أشرف) ..حتى عند معرفة الجارة بحب أشرف لآمال لا يظهر أي رد فعل للشخصية ..وإنما المهم والرئيسي لدى صناع الفيلم أن أشرف شاب طيب مخلص مستعد للتضحية فى سبيل من يحب، بينما محمود أناني كذاب يحاول التلاعب بالجميع من أجل صورته ومركزه فى المجتمع. ومن المشاهد البصرية الجيدة مشهد ركوب الخيل حيث يهرول محمود بحصانه ويحاول أشرف اللحاق به لكن لا يقدر ويسقط ويتركه محمود وهو يلقى عليه نظرة ساخرة، ففى المشهد وضع تصور حركي وبصري يوضح موازين القوى فى الصراع القائم عليه الفيلم ..لكن المحاولات عادت لطرق تقليدية مرة أخرى مثل استخدام مؤاثرات البرق والرعد عند فتاة الكباريهات بينما فى الريف ستجد الجو صحوا وجميلا يصلح لركوب الخيل دون مطر أو شتاء قارس كما يظهر فى مشاهد نادية..لا أقصد الطقس تحديدا بل أسلوب الفيلم ففكرة الرعد والبرق والفتاة عند السقوط الأخلاقي صور معتادة ومكررة . ربما سنجد هنا أحمد رمزي فى المرات القليلة فى تاريخه يتخلى عن دور الولد الشقى الدونجوان ليمثل، خاصة والشخصية لا تسعى لإظهار الحب قدر ما تسعى لاظهار سذاجته فى البداية والتضيحة بكل شيء فى سبيل من يحب ثم تكشف الحقائق والمواجهة مع شقيقه،وفى مقابل ذلك قدم المليجي دور الشرير المعتاد منه المتلاعب بالجميع والذي يظهر غير ما يبطن، وسنجد فى مشهد "مسرحي-نكرر مناسب للتيار السائد وقتها- " مواجهتهما أمام الناس وهو يفضحه فى خطابية مباشرة وكلام عن الشرف والحقيقة التي يجب أن تظهر للناس ، بل نسمع"مقولة" " الفيلم الختامية "بمباشرة" تليق بالفيلم وطبيعته-: إنما الأعمال بالنيات! ربما وحده تاريخ انتاج الفيلم يفسر لنا لماذا نرى اسم يوسف شاهين على الفيلم –الذي لا يعيبه مجارته للتيار السائد- لكن يثير الاندهاش كونه من إخراج مخرج عُرف منذ أول أفلامه بالسعى وراء التجريب والتجديد والتمرد على الصيغ المألوفة فى السينما بكل عناصرها وأولها السيناريو وليس آخرها الإخراج، لقد جاء فيلم "حب إلى الأبد" بعد "باب الحديد" مباشرة، وحين نسمع اليوم ونحن فى ظروف مختلفة تماما عما حدث من هجوم وإحباط للمخرج بعد تجربة بأهمية باب الحديد، ربما نلتمس الأعذار ونعرف أن بعض المحطات ولو كانت عادية وغير ملهمة لكنها لابد من المرور بها للوصول للمحطات الأهم فى الرحلة !
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 37 يناير 2015

Feb 1, 2015

فيلم ثلاث قصص


  فيلم ثلاث قصص..
ثلاثة من دوائر حياة الإنسان
 أشرف نصر
  ربما مشاهدة فيلم:ثلاث قصص(دنيا الله- 5 ساعات - إفلاس خاطبة)وهو إنتاج 1968،فى عامنا هذا تثير
 الشجن على أحوال السينما المصرية الآن فبدلا من البناء على مغامرات وانفتاح الرواد ومواكبتهم الدائمة لتجارب السينما العالمية،تضع السينما المصرية نفسها الآن فى أضيق "مربع" من "مربعات" هذا الفن،على أي حال،عبر تاريخ الفن السابع سنجد العشرات من هذه التجارب مصريا –قديما- وعالميا –دائما- لتقديم عدة أفلام قصيرة فى فيلم واحد –ولكل فيلم قصير مخرج وفريق عمل مختلف- يجمع بينها فى الفيلم الطويل رابط مشترك،وهي ميزة تبرز ما يشبه التنويعات على لحن واحد،وفى فيلمنا،نبحر فى قارب مصنوع من خشب القصة القصيرة،من خلال ثلاثة من قصص "آباء" الأدب فى مصر. - دنياالله: قصة:نجيب محفوظ-سيناريو:عبد الرحمن فهمي-إخراج:إبراهيم الصحن بطولة:صلاح منصور–ناهد شريف -5 ساعات:قصة: يوسف إدريس-سيناريو:بكر الشرقاوي-إخراج: حسين رضا بطولة:رشوان توفيق–نادية لطفي -إفلاس خاطبة:قصة:يحيى حقي-سيناريو:إسماعيل القاضي-محمد نبيه-إخراج: محمد نبيه وبطولة:سميحة أيوب-عبد المنعم إبراهيم البداية فى فيلم " دنيا الله" تضعنا مع الشخصية الرئيسية مباشرة وهو العم إبراهيم –الساعي فى مصلحة حكومية-وعبر لغة الصورة،ودون حوار،سنفهم هامشيته فى المكان،والعلاقة المتنافرة بينه وبين المكان،وبينه وبين شخوصه، فهو يوزع الملفات على موظفين مشغولين، كل فى عالمه،بين من يتحدث فى التليفون ومن يثرثر مع صديقه،ومن ينظر لفتاة تقف فى بناية مقابلة للمصلحة وهو يغازلها بالإشارات،والعجوز عم إبراهيم هو كم مهمل،ينظر له الجميع بضيق أو عدم اهتمام، ثم فى مشهد ثان هو فى المقهي وبائعة اليانصيب تمر على الطاولات حتى يهمس لها –زبون دعارة- فتذهب معه وهو يعد النقود،وثالثا عم إبراهيم فى بيته يأكل مع زوجتة فى غرفة بائسة وزوجة عجوز تقاربه فى سن الستين،ولا يبدأ الحوار إلا بعد الحلم ب" ياسمينة" بائعة اليانصيب والنطق بإسمها،نحن إذن أمام تلخيص لتاريخ شخصية فى مشاهد قليلة،ولب أزمتها ومحور الحكاية،ومن جمال وأساسيات فن السينما،أو فلنقل امكانات توفرت عن فن القصة القصيرة أو الرواية أو غيرهما،أنها تستطيع تلخيص عشرات الصفحات فى الوصف بكادر واحد،وهو ما حدث هنا لو عدنا لقصة نجيب محفوظ،وقارناها بالفيلم،ولا نتحدث عن تفضيل لفن عن غيره،وإنما أدوات مختلفة فى كل منهما،عم إبراهيم الذي ضاع عمره هكذا،نجده فيما بعد يتولى قبض مرتبات الموظفين،اولئك الذين لا يحسون به،بين المتزوج من ثرية،أو"العايق"أو غيرهما،وتنقلب حياتهم بسبب عدم عودته، فمرتب الشهر اختفى معه، من جمال الفيلم سنجده فى نقطة التحول الدرامي فى الحدث،نقلنا فى تكثيف من فعل "لم نره" لرد الفعل مباشرة،بمعنى أننا نجد عم إبراهيم عائد ومعه مرتبات الموظفين،وهو فى الشارع يقف أمام احدي الفتارين،حيث يرى بذلة فى واجهة المحل،ثم القطع مباشرة عليه فى تاكسي وهو مرتديا للبذلة ويشير لبائعة اليانصيب "ياسمينة" فتركب معه ويتحرك التاكسي. الحدوتة فى مستواها الواقعي سنجدها تكمل مغامرة العجوز،الذي لا يرغب سوى فى سرقة أيام متعة قبل انتهاء العمر،فيذهب للاسكندرية ومعه الفتاة الجميلة،ورغم الضيق والخوف من الشرطة لكنه ينجح فى سرقة بعض المتعة،حتى تنتهي النقود،ويتغير الحال بالفتاة التي تنقلب عليه حين تدرك بسرقته للمال،وحتى نهاية المغامرة بالنهاية الواقعية بالقبض عليه،لكن لأن نجيب محفوظ عودنا على تعدد المستويات بين الواقعي والفلسفي فى قصصه ورواياته،يليق الفيلم باستيعاب معاني القصة فى بعدها الفلسفي،حول معنى حياة الانسان فى دنيا الله،وأزمته بين الإلتزام بالطريق القويم وبين الرغبات التي تفتك بالانسان،سنجد أزمة الشخصية "إبراهيم" ورغبته الوحيدة فى اقتناص ما ضاع من متع ،ومع حس أخلاقي بل ويمكن القول أنه ديني – زيارة المرسي أبو العباس،وابتهاله الأخير لله أن يغفر زلته- ونبل الشخصية يتجلى طوال الفيلم،فحتى حين سرق المرتبات أرسل راتب الموظف الوحيد صاحب العائلة المديون،وأرسل مرتبه لزوجته الفقيرة،وفى مغامرته بالإسكندرية سنجده يعامل الفتاة كسيدة مجتمع لتستمتع بما سلبه منها الفقر،وصدمته حين حاولت سرقته بأنه يريد اعطائها المال فى نهاية الرحلة، وفى مشهد الذروة والمصارحة بين العجوز وياسمينة سنجد زوايا التصوير من أسفل وهما جالسان على الأرض ويسكران،والإضاءة الخافتة والسرير كقضبان تحاصرهما،ومثلما قدم الفيلم الشخصية فى البداية بلغة الصورة ومشهد الذروة مستغلا الصورة والحوار ومكونات الكادر من تصوير وموسيقى وإضاءة وتمثيل الخ ينقلنا فى أجمل مشاهد الفيلم القصير- والطويل معا-  لمشهد حلم لعم إبراهيم وهو يرى نفسه انقسم ثلاثة كل منهم فى مكان،وهو يزحف تجاه ياسمينه وتزحف نحوه،ليأتي مشهد الابتهال فى مسجد المرسي أبو العباس والقبض عليه بعدها،فالعم إبراهيم الطيب لم يأخذ من دنيا الله سوى أيام خاطفة عكرها الخوف والمتاعب وخرج من دنياه كما دخلها، هامشيا،حزينا. أما القصة الثانية "5 ساعات" نجدها تركز على الحدث،فالموقف هو البطل وليس الشخصية كالفيلم السابق،ففى بداية مشوقة نحن أمام تربص وإطلاق رصاص على ضابط أمام بيته، ويقذف بنا الفيلم فورا للحدث عند وصوله للمستشفى فنعرف فى حوار خاطف،أننا أمام 5 ساعات مصيرية هي وقت الجراحة،لا وقت هنا سوى لأزمة الفيلم :الضمير المهني والانساني فى مواجهة قهر السلطة،فالهم السياسي هو موضوع الفيلم والقصة بعد أن كان الهم الوجودي فى القصة الأولى،فالضابط المصاب من الضباط الثائرين على نظام الملك،والبوليس السياسي يريد من الطبيب قتله بإهمال الجراحة،وتركه ينزف، لكن الطبيب وفريق العمل يخوضون المغامرة بشرف رغم أن النتيجة هي موت الضابط  بشكل قدري المهم هو تأدية واجبهم والدخول للسجن ثمنا لتأدية الواجب. سنلاحظ أن الفيلم ينسجم مع التوجهات السياسية للنظام الحاكم وقتها،لكن ما يهمنا أكثر من الجدل السياسي هو البناء التشويقي فى إجراء الجراحة واستغلال المكان والإضاءة والإيقاع السريع،ورسم ملمح بارز للشخصيات فلا يمكن نسيان دور طبيب التخدير"حمدي أحمد" الساخر المعتاد على المعتقلات،والخبير بنوعية السلطة الحاكمة والذي يضع الجراح"د.إبراهيم" أمام مسؤوليته الأخلاقية مباشرة أن يخاف أو يتعامل بنزاهة ويتحمل تبعات قراره،ويكون منطقيا أن نجد بصريا فى آخر لقطات الفيلم "كادر مقلوب" للبيوت كعلامة بصرية "وإن كانت مباشرة" لخلل النظام. أما القصة الثالثة:إفلاس خاطبة سنجدنا رغم البداية الكوميدية "الفارس" للبطل "فواز" وهو يقع من على السرير ويتعثر فى السجادة وينسكب عليه اللبن فى المطبخ ويجلس على إبرة الخياطة،وهي بداية من أسهل وسائل الإضحاك للمتعة الخالية من أي فكرة ورائها،سنشعر بإحباط بعض الشيء،لأن موقع "إفلاس خاطبة" هو الثالث وبعد شحنة فنية ومعنوية كبيرة،وربما كان فى الأمر من زاوية أخرى "ريليف/ اراحة" لأعصاب المشاهد بعد الهم الوجودي والهم السياسي لنصل لهم اجتماعي،ففواز يريد الزواج ويبحث عن شريكة العمر عبر الخاطبة "بديعة"،ترتقي الكوميديا بعد البداية "الفارس" لكوميديا الأنماط الاجتماعية، حيث نجد الأب الذي يدعي التدين ويضع شروطه على العريس المنتظر هو مجرد مقامر،والعائلة الشعبية تدعي أنها من طبقة أرقي،حتى نصل لفتاة عصرية ترفض منطق الزواج التقليدي وتضع فواز أمام مسؤوليته فى أنه يجب أن يختار هو رفيقة حياته عبر العقل والحب –فى دور شبيه لدور طبيب التخدير فى الفيلم السابق- فيصل فواز لقراره بالزواج من الخاطبة. الفيلم الخفيف-وليس فى التوصيف حكم قيمة-هو آخر الأفلام أو النقطة التي فى نهاية الجملة لنعود للفيلم "ثلاث قصص" ككل،فنرى القصص الثلاثة تنسجم حول أمر هام جدا وهو فكرة القرار.قرار إبراهيم الساعي العجوز أن يحيا،وقرار الطبيب إبراهيم أن يقدم الواجب الوطني والأخلاقي على أي مخاطر وقرار فواز بأن يختار من يتزوجها.فلابد من إمتلاك الإرادة واتخاذ القرار كي نتحرك فى دوائر الحياة كما نحب.  
***
نشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 36 ديسمبر 2014

Dec 19, 2014

على من نطلق الرصاص




"على من نطلق الرصاص"
السياسي والعاطفي والاجتماعي
كلها دروب لطريق واحد
أشرف نصر
تأليف:رأفت الميهي
إخراج:كمال الشيخ
بطولة:سعاد حسني-محمود ياسين-مجدي وهبة
فى واحدة من أبرع بدايات الأفلام أو"نقطة الهجوم" الدرامية،شاب يدخل لمقر شركة ويطلب مقابلة رئيس مجلس ادارتها،الشاب ينتظر قليلا،ثم يدخل دون إذن لمكتب الرجل المهم، لحظات والكاميرا فى مكتب السكرتيرة نسمع بداخل مكتب رئيس مجلس الإدارة صوت رصاص،وفى المكتب الشاب يطلق النار على رئيس مجلس الإدارة،تسود الفوضى فى الشركة،الشاب يهرب وأثناء هرولته بالخارج تصدمه سيارة،،نعرف معلومة صغيرة من السكرتيرة للمحقق أن المجنى عليه لا يعرف الجاني،لنعود أمام الشركة فنجد الجاني والمجني عليه ينقلان معا فى سيارة إسعاف واحدة!
تقديم ذلك فى لقطات ومشاهد مكثفة،وتركيز من المخرج على وجوه الجميع لنقل المشاعر المتضاربة وسارينة سيارة الإسعاف –وزمنيا فى وضح النهار- وبإيقاع سريع لاهث لتأتي بعدها تترات الفيلم،، فندرك أن كاتبا كرأفت الميهي ومع مخرج بحجم كمال الشيخ قد نجحا فى وضع الطعم لنا،سوف نلتصق بالمقاعد ولن نغفل أو نحس بلحظة ملل،بل أسئلة لا أول لها ولا آخر،ما الحكاية؟من هؤلاء؟لماذا؟الخ
نحن إذن أمام فيلم بوليسي يعتمد على تكنيك التحقيق لتكشف الحقائق،لذا كل تفصيلة صغيرة ستدلنا على الحقيقة،ومن خبرات المشاهدة ندرك أن كل المعلومات التي تظهر أولا سيتم التشكيك بها لاحقا لصالح الحقائق فيما بعد،وعلينا الانتظار والانتباه بدقة لنصل للنهاية التي ستحل اللغز،الفيلم البوليسي وتكنيك التحقيق هو نوع فيلمي جاذب جماهيريا دائما.لكن الأهم هو تحميل ذلك الشكل التجاري لمضمون فني وسياسي وانساني ومن قبل ومن بعد مضمون سينمائي يليق بصناعه –الميهي والشيخ ونجوم الفيلم فى مرحلة نضجهم-فالفيلم إنتاج منتصف السبعينات.
البناء السردي يقوم هنا كتابة واخراجا على فكرة أبعاد الصورة المتعددة،كل مشهد محتشد بالتفاصيل المكملة للصورة الأشمل والتي لا يعرفها سوى المشاهد –الذي يصبح بمثابة القاضي العادل للحكم على هذه القضية-،يبدأ المشهد من نقطة ويعرض فى منتصفه معلومة ويصل لخاتمة،ويتحرك المخرج بالكاميرا على وجوه شخوصه فنكتشف أن لكل منهم موقفه المختلف أو زاويته لمحتوى المشهد.فمثلا أول مشهد لظهور تهاني زوجة المجني عليه رشدي سوف تقابل زوجة الجاني وبينهما يقف الضابط،زوجتان لكل منهما زوج فى غرفة مختلفة ولكل منهما زاويتها فى رؤية ما جرى فى الحادث ويقف الضابط يراقب الجميع ليكون عيننا التي نكتشف بها الحقائق،
من خلال الضابط نشاهد مصطفى "الجاني- كوصف قانوني وليس انسانيا كما ندرك بعدها"من قيادات الحركة الطلابية فى السبعينات "ذلك الجيل النبيل الممزق" الذي تظاهر مطالبا بمعرفة المتسبب الحقيقي فى هزيمة 67 ولم يلق إلا التعذيب والتشريد والخراب النفسي جراء حب وطنه!وبهذه اللقطات القصيرة زمنيا،انتقلت القصة بنا لأبعاد سياسية ويقدمها المخرج بذكاء فى لقطات أبيض وأسود لبطله مصطفى وهو يتظاهر والشرطة تضربه ويغزلها بلقطات أرشيفية لمظاهرات 68 الشهيرة.وتنتبه حواسنا أكثر حين نعلم أن رشدي رئيس مجلس الإدارة هذا له علاقة بكارثة المساكن التي تهدمت على الفقراء.
وحين تدخل الحكاية بعدها الثالث أو العاطفي حين ندرك أن "الجاني" مصطفى يعرف تهاني زوجة "المجني عليه"،لم نعد لمثلث الزوج والزوجة والعشيق،بل ما هو أجمل واثرى دراميا، فنعرف من خلال التحقيق عن أن مصطفى وتهاني أصدقاء بدأت وماتت بينهما قصة حب خلال خطبتها لسامي "مهندس" صديق لمصطفى،وسامي هذا هو من تم تقديمه ككبش فداء فى كارثة المساكن على يد من أصبح زوجها،
كل تلك الحكايات المتداخلة مغزولة بعناية شديدة فى السيناريو،والمخرج يقدم مشاهده بالطريقة المشار لها سابقا،معظم المشاهد تحوي عدة شخصيات وفى الانتقالات بين تصرفاتهم وانفعالاتهم وباستخدام الموسيقى ،وكسر الحوارات الطويلة بلقطات"انسرت شووت" لانهيار المساكن مثلا.
والمخرج الذي بدأ حياته مونتيرا،وقدم كل هذه الأفلام البارعة فى تصوير مشاهد الشارع-راجع مثلا حياة أو موت-سنجده هنا يقدم ب"سلاسة الخبرة" مشاهد علاقة تهاني وخطيبها سامي وصديقهما مصطفى بجوار نيل القاهرة،حيث بهجة الشباب أثناء المشى على الأقدام وخلفهم العمارات والفنادق الغالية،أو وهي تريد التصوير بجوار سيارة فارهة،ثم الانتقال فيما بعد لمشهد لقاء مصطفى بتهاني بعد موت سامي،هذه المرة يبدأ المشهد بالسيارة الغالية وقد تغير ماكياجها وملابسها بعد أن تزوجت الثري رشدي رئيس مجلس الإدارة،وهذه المرة لن يكون الشارع مصدر الفرح بل مكان مقفر قبيح حيث يتواجهان بأزمة جيل!
هذه المرة سندرك تحول الشخصيات:مصطفى الممتلئ بالصحة وقوة الرأي صار عصبيا مريضا نفسيا مرتبك المشاعر،وتهاني الجميلة الحيوية المبتهجة ضاع بريقها رغم ثراءها الآن، وفى ذكاء شديد يتم تقسيم المشهد على مشهدين،النصف الأول تحكيه للضابط وكأنه عتاب صديق لصديقته والعكس على اختلاف دروب الحياة واختيارات الزواج،ثم تتذكر وحدها بقية المشهد بعد خروج الضابط من المكتب لنرى مصارحة مصطفى لتهاني بحبه الذي كتمه بداخله مراعاة لصديقه بينما هي تزوجت بمن قتله فى السجن،
تعود تهاني للبيت فنرى اخراجيا الشارع كصور غائمة بجوار السيارة ودموعها تنزل،فلم يعد هذا شارع الجيل الحالم!بل ستصل لبيت زوجها الثري الذي يرى أن كل كلام مصطفى جزء من حقد الحاقدين ومؤامرة على الناجحين مثله من المسؤولين فى الحكومة.
يصل التقدير –عندي- لمداه لرؤية الفيلم مع نهايته غير المتصالحة بل الكاشفة،فحتى الضابط تصله أوامر بالتمهل قبل فتح القضية الأكبر التي هي أكبر من تهاني ومصطفى وسامي وغيرهم، قضية الفساد الذي ينخر الوطن ويعد رشدي مجرد حلقة فيه،لن يخدر الفيلم متلقيه عبر "التطهير الدرامي"،بل النهج التحريضي هو الأساس،عليه أن يفكر جيدا فى اسم الفيلم وما شاهده،على من نطلق الرصاص،والجميل أنه بلا علامة استفهام،لأنه ليس سؤالا بل كأنه دعوة للانتقام ممن سلبوا هذا الوطن مقدراته،والأبرع فكريا أن الحل الفردي لا يفلح،فمصطفى تطيش رصاصاته كأنه سعيد مهران آخر،فالرصاص لن يصل لهدفه إلى حين نعود للمرة الألف للعنوان وهذه المرة لكلمة "نطلق" وليس "اطلق"..فالحل يجب أن يكون جماعيا!
 ***
نُشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 35 نوفمبر 2014

Nov 19, 2014

العودة والعصفور


العودة والعصفور
حكاية الغربة والسراب!
أشرف نصر
تأليف:محمد جلال عبد القوي
إخراج:هاني لاشين
بطولة:ميرفت أمين– صلاح السعدني
العصفور يخرج صباحا يسعى للرزق فى الفضاء الواسع لكنه لابد له أن يعود لعشه،هكذا جاءت الفكرة فى فيلمنا،رحلة "إيمان" و"منعم" من القاهرة للكويت والعودة،ما بعد الرحلة هو الأهم لأنها لم تكن رحلة عادية،إنها القصة المؤلمة للشعب المصري الذي ارتحل بعد قرون من الالتصاق بضفاف النيل،وذهب منذ السبعينات إلى ربوع الأرض،خاصة إلى الخليج بحثا عما يسمى "الحياة الكريمة"،قدمت العديد من الأعمال عن تلك "الهجرة" –ربما أعذبها،أعمقها،وأكثرها إثارة للألم فيلمي "عرق البلح" و"عودة مواطن"- ولكن الحقيقة ان لفظ "هجرة"الذي استخدم كثيرا منذ العام 1974 ليس دقيقا،فالمصري كائن موسوس ببلده،غالبا لا يهاجر بل يذهب ويعود ولذا لفظ الرحلة– مهما طالت –هو الأدق،لذا نلاحظ أن ما بعد العودة هي هاجس أفلامنا،وفكرة العودة والتحولات التي جرت لتلك الشخصيات هي "مربط الفرس" أكثر من البحث عن تفاصيل الحياة فى الغربة.
الأبرز فى "العودة والعصفور" هو سلاسة البناء وأسلوب الحكي،فالفيلم "يضفر" بين زمني الحاضر والماضي منتقلا بينهما لطرح عالمه الفيلمي،يبدأ المخرج بلقطات تسجيلية "بديعة"ومؤلمة حيث نجد المصريين قد عادوا وكل ما يحملونه أجهزة كاسيت ومراوح و"حبه هلاهيل/ثيابهم"،وهموم"طفحت" على الوجوه لا تظهر الفرحة بالعودة،بل الألم مما جرى.
 بطلي فيلمنا "إيمان ومنعم" وجدوا أنفسهم كغيرهم لم يكسبوا سوى تلك "الهلاهيل" وشقة خاوية فى مدينة تكاد تكون مهجورة – كانت مدينة 6 اكتوبر هكذا فى زمن صناعة الفيلم-ولكن الأهم أنهما خسرا قصة حبهما الرقيقة.
ويكون البناء بين ذهابهما للسويس لإستلام محتويات شقة الغربة وهما لا يحتملان بعضهما البعض وقد انتويا الطلاق،وبين قصة الحب التي جمعتهما فى الماضي،
نرى فى النصف الأول من الفيلم وجهة نظر" إيمان" ثم ينقل فى النصف الثاني وجهة نظر "منعم"،وحين تكتمل الصورة فى النهاية،سنعرف أنه لا ظالم ولا مظلوم فى تلك "المأساة المعاصرة" بل هي ظروف وطن جعل شابة ضحت بتلك التقاليد الزائفة من عفش وشقة وفرح الخ وشاب ضحى حتى بالبيانو/ميراثه الوحيد عن والده من أجل الحب والزواج،
لكن الثمن هو سر المأساة،فزهرة الشباب ضاعت فى الغربة وحتى محتويات الشقة – تلك الأشياء الإستهلاكية التي استعبدتنا جميعا خلال مشوارنا بدلا من أن تمنحنا الراحة – تلك المحتويات ضاعت كالسراب بسبب احتلال العراق للكويت.
وربما –بسبب القيود والظروف السياسية ولأن الفيلم إنتاج التليفزيون- لم تذكر العراق صراحة وإحتلال صدام للكويت-..بل إشارات "لما جري" وجملة مثل:بكره الكويت ترجع لأهلها!
  الخلفية السياسية البعيدة تظلل من بعيد حياة شخصيات الطبقة المتوسطة وتفاصيل الحياة الأسرية والحوار الواقعي والأغاني من الكاسيت أو عزف منعم مع إيمان على البيانو،لطرح موضوع الفيلم وحكايته ببساطة آسرة،
والمخرج يجعل من تفاصيله الصغيرة ثالث "إيمان ومنعم" فنحن نرتبط بالبيانو ودبل الخطوبة /الزواج الموضوعة على "تابلوه" السيارة،وفى واحد من أجمل مشاهد الفيلم:الدبل تهتزعلى التابلوه بعد أن خلعتها إيمان وتبعها منعم نسمع موسيقى" يا دبلة الخطوبة" بتوزيع موسيقي حزين ثم يتضح أنها نقلة صوتية للمشهد التالي ، حيث يتغير فقط التوزيع الموسيقي فنجد فى الماضي حفل الزواج ..ومن إنفجار بسبب دخول قوات صدام لإنفجار عجلة السيارة، ومثلها تدريبات إيمان للبنات على أغنية "وطني الأكبر" أو غناءها مع منعم أغنيتهما الأثيرة "أنا لك على طول" لعبد الحليم ..ومن الدروس الخصوصية لشقيق منعم لمنطق حياة البطلين: هل صفر+صفر تكون النتيجة صفر أم صفرين –كتلاعب لفظي بلاغي حول محصلة حياتهم-.
أما مشهد النهاية فالغريب أنه بدا فقيرا بصريا من المخرج حيث لا نرى سوى سائق العربة بجوار عجلة السيارة النقل،وحواره مع إيمان ومنعم ثم حوارهما بجوار البحر وقد قررا العودة لحبهما بدلا من الجري وراء المادة،فالمخرج ركز على الحوار دون الصورة ولا التفاصيل التي "لعب"عليها طوال الفيلم..أزمة المشهد – في رأيي- جاءت من السيناريو فالمؤلف تخلى فيه عن أبرز ما لديه من أدوات أي مهارته فى تقديم حكايته من خلال الحياة اليومية والحوار الواقعي ذو الدلالات، وعند مشهد النهاية –المفترض أنه الأهم – قدم  حوار مسرحيا خطابيا مباشرا عن العروبة والأحلام..والأغرب أن البدايات المبشرة ثم فجأة التحول للخطب والنطق بلسان المؤلف لا الشخصيات،صار سمة فى أعمال المؤلف فيما بعد فى مسلسلاته التليفزيونية!
ولكن يبقى فى العودة والعصفور بما فعله صناعه قيمته،ببساطته،وتفاصيله وأداء بطليه،خاصة فى حياتهما فى شقتهما بالكويت حيث المحبة والمودة والشهوة – التي قدمت برومانسية تناسب أسلوب الفيلم- وأخيرا ودائما: كل تلك المشاعر تختلط بالتعب "والشقا"!
***
نُشر بمجلة أبيض وأسود
العدد 34 -أكتوبر 2014

Nov 5, 2014

الخوف /مكان للحب





الخوف /مكان للحب
وطن تحت التشطيب وحصار الخوف!
أشرف نصر

حين يفاجئك صديقك بتحفة كفيلم"الخوف" تبتهج وتحزن،البهجة من الفيلم،والحزن من عدم شهرته – كأفلام ترد للخاطر عند ذكر سعيد مروزق مثل زوجتي والكلب أو المذنبون-، ويغضبك ندرة عرضه على الشاشات، يُحرم المشاهد منه ليكابد بالغث المعروض- فهل هو اتفاق غير معلن وتوافق مصالح ضد كل ما هو جاد وصادق رغم مرور 42 سنة على عرضه-!،ثم تنشغل قليلا بحكاية الإسمين:الخوف أو مكان للحب،وربما تميل مثلي لإسم :الخوف لأنه الأقرب لروح الفيلم والأكثر التصاقا بموضوعه، ثم تترك كل هذه الأسئلة لتبدأ المتعة بالفيلم نفسه.
الحدوتة: أحمد"مصور" يعيش في بنسيون،يقابل فتاة ممن تم تهجيرهم من السويس بعد هزيمة 1967،تحدث بينهما علاقة حب، وفى جولتهما بالقاهرة يجدان عمارة "تحت الإنشاء أو التشطيب" فيصعدانها، فيها يتخيلان شقتهما، لكن حارس العمارة يصعد لهما،وتحدث مشاجرة بينه وبين أحمد"
حدوتة تبدو بسيطة،لكن الأهم من الحكاية،هو كيف تحكيها،وهو ما يقدمه سعيد مرزوق لنا بشكل يخلد فى الذاكرة،
الزمن هو العنصر الأول فى بناء الفيلم، ففي زمن الفيلم 1972 كانت هزيمة بشعة حلت بالمجتمع فدُمر نفسيا وعسكريا بعد أن تم احتلال أرضه، الفتاة التي قامت بدورها "سعاد حسني" لا يناديها أحمد "نور الشريف" بإسمها،بل بضمير المخاطب "أنتِ" أو الغائب "هي"،فقد حرص السيناريو ببراعة أن تكون فتاة عادية، تشبه كل فتيات جيلها،أو على الأقل من عانوا تجربتها من موت أسرتها فى العدوان الإسرائيلي على مصر، مهزومة،صوتها خفيض لا يعلو إلا مرة واحدة وهي تصرخ فى وجه أحمد،كي تحثه على مواجهة حارس العمارة وهي تعنفه أنه ليس مثلها فهو لا يحس بمأساة فقدان عائلته دفعة واحدة، بل هو شاب تشغله حاجاته الأساسية فقط، لاحظ ضحكات "نور الشريف" التي تبدو عصبية أكثر مما تبدو سعادة، وحيويته فى الحركة فى مقابل صمت"سعاد حسني" ونظراتها الحزينة وذلك "الانكسار"الذي يحيطها.
المخرج-وهو مؤلف الفيلم أيضا وشاركه مصطفى كامل فى السيناريو- يقوم ب"عجن" الخوف كمفهوم نفسي داخل شخصياته، فنحن نجدهما ضعيفين خاصة"سعاد"،مرتعبين من أن يتم ضبطهما رغم أنهما لم يمارسا الجنس أصلا، ولا فعلا أي خطيئة تستوجب العقاب المجتمعي،لكن الخوف من كلام الناس، ورمزية الحارس التي تشير للعدو المتربص:سياسيا واجتماعيا، جعلهما يحاولان الهرب من المواجهة، ولا تحدث المواجهة إلا بعد أن عرت "سعاد" "أحمد" أمام نفسه.
لغة الصورة عند مروزق تتجسد فى الفيلم كما تجلت قبلها فى "زوجتي والكلب"، فهو يستغني عن الحوار بالنظرات بين الشخصيات ،الإيماءات،التصرفات،الصورة أو الكادر السينمائي بكل مكوناته،فنجد فى "الخوف" حينما يحكي أحمد لحبيبته عن البنسيون الذي يسكنه ويحكي عن زوج صاحبة البنسيون الراحل الذي كان يهوى الصيد والتحنيط،فينقلنا بالصور للحيوانات المحنطة مع أصوات من الغابة، فتخبره الحبيبة أنه مكان يثير الخوف،وحينما تتذكر ماضيها لا تقول الكثير، كل تاريخ الشخصية نراه فى صور،تفجير البيت، الجثث، والنيران،وعندما يرغب أن يخبرها أحمد عن عمله كمصور صحفي، نراه فى في المطبعة مباشرة، فالمخرج يؤمن بأن الصورة بألف كلمة،ويستخدم ذلك بسلاسة طوال الفيلم، فيما عدا أن أصوات الغابة مع جثث الحيوانات المحنطة على جدران البنسيون تكررت وطالت زمنيا على الشاشة،لكن يبدو أنه رغب فى طرح تنويعة من تنويعات الخوف،كي يصل ل"ماستر سين" وهو المواجهة بين أحمد وحارس العمارة،
يمزج سعيد مروزق فى السرد بين الأزمنة الثلاثة:الماضي والحاضر والمستقبل بشكل بارع ولنتوقف مثلا عند موقفين:أول مكالمة بين أحمد والفتاة"سعاد"، يبدأ فى الحاضر،هي فى بيت مغتربات وهو فى البنسيون، تبدأ المكالمة فى الحاضر،يتحدثان، وعند الحكي عن الماضي،نرى بيتها وهو يحترق،وأول دخول له للبنسيون،ويمتزج ذلك بالحاضر أثناء المكالمة،ثم وهما يتفقان على المكالمة القادمة، وأثناء استمرار الحوار بينهما فى الحاضر،نرى "فلاش فورود" لأحمد وهو فى العمل وينتظر المكالمة التالية، ثم هرولته ليصل للبنسيون حيث التليفون،ليواصل المخرج "تشبيك"الزمن فيصبح المستقبل فى المكالمة الأولى هو الحاضر حيث وصل أحمد واستطاع الرد على التليفون.
المثال الأبرز والمُبهر فى عملية تداخل الزمن هذه ومزجها أيضا بتداخل الأمكنة، أحمد وسعاد فى العمارة التي لم يتم "تشطيبها"، يجلسان على الرمل ويتخيلان شقتهما فى المستقبل بعد الزواج، فنجد الانتقال بين بيتها المهدم وبين العمارة وبين الشقة الجميلة التي من المفترض أن تصبح شقة الزوجية، وبين ماضي التدمير والقصف، وحاضر العمارة التي بُنيت ولم تكتمل، وبين مستقبل سعيد وهما يأكلان بسعادة كزوجين ويحاولان تدبير مصروفات البيت.
ويحرص لمنح فيلمه البعد السياسي أو اكمال ما يحدث حول العاشقين من خلفية العالم/المجتمع/الواقع المرير عبر قصاصات الجرائد الملقاة على الأرض التي بها قرارات الأمم المتحدة "التي بلا قيمة"، وأنباء الحرب، حتى يأتي "قتل" اللحظة العاطفية حين تسأل الحبيبة حبيبها عما يحتاجا من مال كل شهر لتدبير مصاريف الحياة، فيقرأ قصاصة بها رقم ميزانية أمريكا المخصص للحروب..وبصريا يختم "الفصل" بكادر بصري رائع يمزج فيه الواقع بالخيال وأحمد يغلق باب الشقة المتخيلة فنجد أنهما عادا للرمل والطوب والجدران العارية.
أخيرا تظل النهاية مثيرة للأسئلة حيث يواجه أحمد الحارس ويهزمه، ثم يحمل حبيبته فى اتجاه الشمس وأنشودة تتردد بنعومة، هل هي نهاية متصالحة،أم منطقية، أرى أنها وجهة نظر علينا احترامها، الأمر -أظنه- بعيدا حتى عن الضغوط المجتمعية أو الرقابية "بشعار" منح الناس الأمل،أن الحياة تحتمل الوجهين،وربما أثبتت حرب 73 صدق التفاؤل أو الأمل،الأهم حتى من الرؤية السياسية،هو حتمية أن نهزم الخوف داخلنا، حتى نحيا!
***
نُشر يمجلة أبيض وأسود
العدد 33- سبتمبر 2014