Aug 7, 2007

عن الأدب والسياسة ..شهادة

عن الأدب والسياسة
أن تكتب الآن
شهادة : أشرف نصر
حينما تفتح عينيك في الصباح الباكر لتجد جامع القمامة يطالبك بمكافأة خارج الفاتورة لأن الشركات الأجنبية تظلمهم ، ويحذرك أنك لو لم تدفع كالجميع سيتجاهل أكياس القمامة أمام الشقة ، وستضطر للخروج لتسير رجلا محترما مهيبا لآخر الشارع حاملا الأكياس لتلقي قمامتك في الصندوق ..وحينما تتذكر أن الشركات الأجنبية انسحبت من مصر لخسارتها وعاد الأمر لجامعي القمامة المحليين ..يذكرك هو بغضب أن الحكومة تسلبك مبلغا مضافا لفاتورة الكهرباء
ولا تدفع منه لهم إلا الفتات ..أما لو قررت استمرار الجدال وتلمح إلي شكواه للحكومة فساعتها فقط ينتهي غضبه منك ويقول بسخرية شديدة
- ابقي قابلني
ستدفع صاغرا وستضطر وأنت تحكي ما حدث أن تقسم أنك لست بخيلا وإنما ترفض أن يستغلك أحد ويجبرك علي دفع ما قد دفعت قيمته من قبل .. ولن يصدقك أحد وسيتأكدون من بخلك ..لكن لو أشفق أحدهم عليك سيقول ببساطة :
- ما أسهل الاستغلال لو كان هكذا
ساعتها ستجد أن الأزمة ليست في جامع قمامة وإدارة حي وشركة أجنبية فمصر تحولت لغابة من المنطق القائم علي أن تدفع أولا وقدم بعدها شكواك والتي لن يلتفت لها أحد .. مصر التي تحولت بجرة قلم إلي ساحة صراع شرس بين مجموعات جديدة يطلق عليها تأدبا رجال الأعمال وأغلبهم وكلاء لشركات كبري في الخارج ..وأصبحت صيحة العصر فيها هي البيع ..
بيع أي شيء وكل شيء بأي ثمن ولأي شخص ..آخر خبر تجهيز قرار لبيع دورات المياه العامة في الميادين .. لتصبح يا من تشتكي من جامع القمامة محاصرا بمن يسلبون مرتبك من الصباح الباكر وصولا إلي النوم مرورا بدخولك الحمام الذي سيصبح استثماريا ولن يكون عاما ..
وفي المقابل ستحصل علي رغيف خبز ومواصلات وتعليم وعلاج وغيرها من خدمات كلها غير آدمية بأي معيار ..أو ستستمتع ببطالة رائعة تمكنك من مشاهدة ما يقارب ثلاثمائة من القنوات الفضائية العربية التي لن تقدر معها حتى أن تغمض عينيك ..
ساعتها ستجد أنه من العبث أن تخرج في مظاهرة أو تنضم لأحزاب أو تفكر في حقوقك السياسية أو حرية تعبير أو غيرها من كلام يتردد في الصحف التي قد تقترضها من جارك لتحل الكلمات المتقاطعة .. خاصة وأنت تري كل الأحزاب المعارضة أسوأ من الحكومة .. وكلها تبحث عن وسيلة مختلفة لتشارك الحكومة في سرقتك مرة بشعارات قومية ومرة بشعارات دينية ومرات بلا شعارات على الإطلاق وإنما بورقة فئة العشرين جنية ..
حتما ستصاب بحالة سبقك لها الكبار وستتحول لمشاهد مثالي لكل ما يحدث حولك .. بداية بالقنوات الفضائية ومرورا بالمسابقات والمباريات وبلطجة الانتخابات وصولا للحروب وملايين الجثث التي تتناثر أمامك علي الشاشة وأنت وحظك قد تكون تلك الحروب في بلد لا تعرف عنه سوي القليل كأفغانستان أو بلد يحبه أقاربك الذين عملوا فيه يوما كالعراق
أو ببساطة في الشارع المجاور بين جيرانك ممن يحبون المسجد وغيرهم من جيرانك أيضا ممن يحبون الكنيسة ..
كل ذلك وأنت تبعد عن عقلك الأهم وهو أن تكتب ..
نعم فأنت كاتب شئت أو أبيت ..
وكل من عرف الكتابة يوما يعرف أنها قدر ..
الكتابة لا تعرف الاختيار وتعشق الجبر ..
وكثيرا ما عرفت عمن حاول الامتناع عنها فأصيب باكئتاب
أو انتحر انتحارا ماديا أو معنويا ..
فكيف تكتب الآن في قلب كل ما يحدث حولك وكل ما يحدث معك ..وأسوأ ما يحدث لك أن تجد بين أهل الكتابة من يحرص علي قتلك.. وأنت وحظك قد يكون قتلا معنويا عبر قائمة الاتهامات التي تبدأ بوصفك بالفشل وصولا لوصفك بالكفر مما قد يؤدي لقتل مادي ..
وليس سرا أن بداية التحريض ضد رواية
" أولاد حارتنا " كان من بعض أهل الكتابة ..
لكنك ستكتب رغم مخاطر الكتابة ..ليس لأنها قوة قاهرة - وهي كذلك - .. وإنما لأن الكتابة وحدها هي التي تعيد لنفسك توازنها ..والفن هو المتعة الوحيدة التي تمكنك عبر ممارستها من فهم أفضل لنفسك وعالمك ..
لذلك ليس لك الاختيار في الكتابة - طالما قررت عدم الانتحار - ويبقي لك الاختيار في موضوع تلك الكتابة ..
هنا تطل السياسة برأسها مرة أخري كموضوع لتلك الكتابة ..
السياسة بكل معانيها بداية من رغيف الخبز وصولا لامتلاك دول بعينها حق الفيتو في مجلس الأمن بلا أي مبرر ..
سيقابلك كلام الكثيرين من أهل الكتابة وأنصار الحداثة - فأهل الكتابة أيضا أحزاب وفرق لكل منها أنصار ومشجعين كأهل السياسة وأهل الكرة - سيخبرونك بضرورة الاحتفاء بالذات والكتابة عن كل ما يعني الفرد بداية من جسده وصولا لأشيائه الصغيرة مرورا بتجاربه الشخصية لا أكثر ..
توافقهم في حكمهم علي النصوص المكتوبة لتمجيد تيار معين ،
تلك الخاضعة لفكرة امتلاك الحقيقة ..
وتوافقهم أكثر حول أهمية الذات والجسد والتفاصيل الصغيرة والتجارب الحياتية البسيطة ..
لكنك مقتنع أيضا بأن السياسة تمس ذاتك وتخدش روحك خاصة بتصرفات القتلة من أهل السياسة ..
وأن الكتابة عن الذات لا تعني أبدا الكتابة للذات ..
ليس من باب أن الكاتب هو نبي الجماعة وشاعر القبيلة كما يري أنصار فريق تهميش الذات وحذف الفرد وتذويب الكائن البشري في كتل بشرية وجماعات مصالح لها شعارات قومية أو دينية ..
وإنما من باب أن الذات لا تكتمل إلا بالآخر ..والذات الأنانية وحدها هي تلك التي تبحث عن متعها الخاصة دون اكتراث بغيرها ..
القناعة الأكبر عندك أن ما أمتعك من نصوص كان دائما هو ما يمس روحك وذاتك رغم أن صاحبها لا يعرفك ..وأن أكثر ما لا تطيقه هو النصوص التي تبدأ وتنتهي بكائن نرجسي يتحدث عن نفسه ويمجد تفاصيله الخاصة دون أن تمسك كلمة من تلك النصوص ..
وبنفس القدر لا تطيق النصوص التي يضع لك الكاتب فيها الطريق القويم سياسيا ولا يحس بوجودك أصلا كفرد وإنما يجب أن تكون ضمن كتلة أو جماعة ليستطيع تصنيفك ضمن إطار مع أو ضد ما يكتبه ..
فتقع في حيرة كيف تكتب إذا عن ذاتك بالأساس ..
وتكون مشغولا بالهم السياسي الذي يحاصرك ..
حريصا علي ألا تكون معلقا علي الأحداث وهو أخطر ما يقع فيه من يكتب عن الحاضر ..محاولا ألا تلوي عنق الماضي لتبزر نظرية أن التاريخ يعيد نفسه ..وأكثر حرصا علي ألا تصادر علي المستقبل..
ولكن واعيا بأهمية وتأثير الحدث السياسي في تهيئة مناخ قد يغير مصائر شخوصك ..
كل النصوص التي اكتسبت أهميتها من جرأتها فقط في معالجة حدث سياسي سقطت بعد نهاية الحدث السياسي ..
لكن ما بقي من نصوص هو ما أهتم بالبشر ..
والمفارقة أن كثيرا منها يحمل الحدث السياسي في طياته ..
مفارقة تذكرك بعشرات النصوص رغم تباين الظروف السياسية وتغيرها من مكان لآخر .. فتجد أن ما يجمع " يوليوس قيصر" في المسرح
و" خريف البطريرك " في الرواية و" العسكري الأسود " في القصة
و " مرثية العمر الجميل " في الشعر..
مفارقة ليست في حبك لشكسبير وماركيز ويوسف إدريس وأحمد عبد المعطي حجازي - وهي حقيقة - وإنما تباين عوالم الأمثلة التي حضرت لذهنك لتؤكد علي فكرتك ..
ويظل المثال الأكبر عندك في الرواية هو نجيب محفوظ ..
لأنه أبرز مثال في الكم والكيف ..
ذلك الذي لم تغب السياسة أبدا عن باله ..
ولكنها دائما لا تشغله عن الفرد ،
عن البشر ..
وأما المثال الذي يتشكل أمامك الآن هو شبكة الإنترنت وتحديدا المدونات ..
في البداية ظننت أن فائدتها الكبرى ستكون للأدباء ممن عانوا من جحيم النشر الورقي وستمكنهم من طرح أعمالهم للجميع ..وأنها فرصة أيضا للحلقة الأكبر ممن يرغبون في البحث عن الخروج من دائرة "هذه خواطر وليست إبداعا " ويعانون من جحيم عدم الاعتراف بهم ككتاب من قبل المؤسسات والجماعات الأدبية وأهل الكتابة ..
وقد استفاد هؤلاء وأولئك من تلك الفرصة ..
لكن المفاجأة جاءت لك من المدونات السياسية ..والتي تزداد كل لحظة ..
نشاط ودأب شديدين من شباب صغار في السن مشغولين بالسياسة شغوفين بقضاياها يكسرون كل القيود ويفتحون ألف باب وباب للمستقبل ..
كنت تعلم أن كل ما يشاع عن تفاهة اهتمامات الشباب إنما هو كلام لا يستحق الحبر الذي كتب به ..ويكفي لهدمه مطالعة التعليقات وأعداد الزوار ..
لكن المفاجأة جاءتك من ابتكارات أولئك الشباب لتوصيل ما بداخلهم ..
هم يكتبون بسخرية وبجدية ويصرخون ويسبون وقد يضعون مختاراتهم من صور وأفلام وقصص وأشعار ولوحات لتوصيل رسائلهم
وكثيرا ما يكتب أحدهم نصا أو يرسم لوحة أو يؤلف الموسيقي أو يحاول تصوير فيلم بشكل فردي أو ضمن حلقة صغيرة من أصدقاءه ..
وآخر ما يشغله ساعتها الاعتراف من الجماعات والمؤسسات ..
كل ما يعنيه هو أن يوصل صوته للآخرين ..
ألا تري أنه نفس هدف الأديب في الأصل ..
وربما شغله عنه تفاصيل النشر والاعتراف والجوائز،
ومن قبل ومن بعد هموم الحياة اليومية ..
أن تكتب الآن ..
في قلب عالم لاهث الإيقاع في أحداثه ..
عالم مزقته أفعال الساسة ..
يجعل من العسير جدا عليك أن تتجاهل أحداثه ..
ومتشبثا في الوقت نفسه بألا يشغلك الحدث السياسي عن ذاتك ..
فهي الشيء الوحيد الذي لا يقدر أحد أن يسلبه منك ..
فهل نجحت في فعل ذلك ؟..
هو سؤال يؤرقك مع كل عمل جديد ..
تتبعه عشرات الأسئلة حول العمل ..
لكن طرح الأسئلة هو أساس الإبداع ..
فالإبداع هو أن تبحث وتسأل ..
وأما امتلاك كل الإجابات يقين
ينفي فكرة أن تكتب الآن.. أو تكتب علي الإطلاق
أشرف نصر
شرفني الأستاذ / أحمد السلامي بنشر هذه الشهادة في موقع عناوين ثقافية ..وها هو رابط للمقال في الموقع

3 comments:

مشربية said...

اولا حقيقي مقالة جميلة يا اشرف
ثانيا للاسف حلمك مش هايتحقق علي موضوع الحمام ابو فلوس لان مول طلعت حرب بوسط البلد دخول الحمام فية بنص جنية و الله العظيم انا مش بهرج
معلش يا بطل اظاهر ان الواحد لازم يحلم حلم يجب انة يعرف ان عمرة ما هايتحقق ع شان نمشي مع الواقع

ashrafnasr said...

اكيد انت تعبت من شكري لمتابعتك الدائمة
لذلك هاريحك
ألف شكر
وقد اضفت للتدوينة رابط لموقع عناوين الذي شرفني بنشر هذا النقال

مشربية said...

اولا : لا شكر علي واجب
ثانيا : الف مبروك علي نشكر المقالة يا ريس تستحق و الله العظيم